لا يحتاج كولوسيوم روما إلى من يعرّفه. حضوره وحده يكفي ليمنح أي مشهد ثقله التاريخي. وفي تلك الأمسية، صنع المكان جزءًا من المعنى، وصنع الحضور السعودي الجزء الأهم منه؛ حيث وقفت الأوركسترا والكورال الوطني السعودي إلى جانب أندريا بوتشيلي، في لقاء جمع الإبداع السعودي بالتاريخ الموسيقي الإيطالي.
حملت المحطة الحادية عشرة من جولة "روائع الأوركسترا السعودية" رمزية خاصة. فأن تصدح الأصوات السعودية في قلب روما، أمام أحد أشهر المعالم التاريخية في العالم، وبمشاركة صوت عالمي بحجم بوتشيلي، يعني أن الموسيقى هنا تتحول إلى مساحة لقاء بين بلدين، وبين تاريخين موسيقيين، وبين جمهور يتلقى اللحن قبل أن يحتاج إلى تفسيره.
على المسرح، بدا اللقاء أوسع من تعاون بين فرقتين. حضر الموروث السعودي والعربي بإيقاعه ولحنه، والتاريخ الإيطالي بثقله في الأوبرا والموسيقى الكلاسيكية. وتحت قيادة المايسترو مارشيلو روتا، اجتمع 32 موسيقيًا من الأوركسترا والكورال الوطني السعودي مع 30 موسيقيًا من أوركسترا "فونتان دي روما"، ضمن برنامج جمع أعمالًا سعودية وإيطالية وعالمية.
في تلك المساحة المشتركة، عبرت الأصوات العربية إلى الإيطالية واللاتينية، في مشهد اختصر قدرة الموسيقى على الوصول من دون حاجة إلى ترجمة. تحوّلت اللغة إلى جزء من التجربة، وصار الأداء نفسه مساحة يتقاطع فيها الصوت السعودي مع الحس الموسيقي الإيطالي.
منذ أول عروضها الدولية في باريس عام 2022، بنت الأوركسترا والكورال الوطني السعودي رحلة عالمية متصاعدة. من مكسيكو سيتي إلى دار أوبرا متروبوليتان في نيويورك، ومن قاعة سنترال هول ويستمنستر في لندن إلى دار الأوبرا في سيدني، ومدينة أوبرا طوكيو، وقصر فرساي، والعُلا، وصولًا إلى حديقة الكولوسيوم الأثرية في روما. ومع كل محطة، كانت "روائع الأوركسترا السعودية" تضيف فصلًا جديدًا إلى حضورها الدولي، وتؤكد قدرة هذا المشروع على مخاطبة جماهير مختلفة حول العالم.
ومنحت روما هذه الرحلة معنى آخر. فإيطاليا، بتاريخها العميق في الموسيقى الكلاسيكية والأوبرا، تستقبل الموسيقى كجزء من وجدانها الثقافي، لا كعرض فني فحسب. لذلك بدا حضور الأوركسترا والكورال الوطني السعودي في هذا المكان امتدادًا طبيعيًا لمسار يتسع محطة بعد أخرى، ويثبت نفسه في كل مرة.
اختصر بوتشيلي تلك اللحظة حين قال إن "الغناء بجانب الكولوسيوم دائمًا ما كان تجربة تحمل مشاعر استثنائية، إلا أن المشاركة بجانب الأوركسترا والكورال الوطني السعودي أضفت عليها طابعًا أكثر تميزًا". لم يكن حديثه عن المكان وحده، بل عن معنى اللقاء نفسه؛ فالموسيقى، كما يراها، لغة قادرة على وصل الثقافات وتجاوز حدود الزمان والمكان.
وظهر هذا الانسجام بوضوح في أداء الأوركسترا السعودية والإيطالية معًا. فالمايسترو مارشيلو روتا رأى في هذا اللقاء "تجربة فنية ثرية، تجلّى فيها التلاقي في الفهم الموسيقي وحس الانضباط، على الرغم من اختلاف الأساليب وطرائق التعبير". وفي هذا الوصف ما يلخص جوهر الأمسية: الاختلاف لا يمنع الانسجام، بل يمنحه عمقًا أكبر.
ومن أبرز لحظات الحفل، جاءت مقطوعة "الحِجر وروما" كعمل يستعيد الروابط الثقافية بين المملكة العربية السعودية وإيطاليا. المقطوعة التي كتبها المؤرخ والباحث الدكتور سليمان الذيب، استلهمت إرث الحضارتين، وقدّمت تجربة فنية تؤكد دور الموسيقى في مدّ جسور التواصل بين الشعوب.
وتضع كلمات الرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى بول باسيفيكو أمسية روما في سياقها الأوسع. فإقامة "روائع الأوركسترا السعودية" في روما، بحسبه، تمثل "محطة استثنائية في مسيرة الموسيقى السعودية، ورمزًا يعكس عمق الحوار الثقافي". وهي عبارة تشير إلى هدف أوسع: إيصال الموروث الموسيقي السعودي إلى جمهور دولي، وبناء شراكات إبداعية طويلة الأمد، وتعزيز حضور الأوركسترا في المشهد الثقافي السعودي والعالمي.
أمام الكولوسيوم، الذي تحمل جدرانه ذاكرة قرون، عبرت الموسيقى تلك الليلة أبعد من حدود العرض. وفي قلب هذا الحوار، وقفت الأوركسترا والكورال الوطني السعودي إلى جانب أندريا بوتشيلي وأوركسترا "فونتان دي روما"، لتقول إن الموسيقى تستطيع أن تجمع العالم، وأن تمنح التاريخ صوتًا بلغة يفهمها الجميع.

