ارتبط اسم إدريسي في الآونة الأخيرة بشكل وثيق بسانت ليفانت، بعدما شاركه في كتابة الكلمات والألحان في عدد من أغنيات ألبومه الأخير "أفندي". وضع إدريسي بصمته على عدة أعمال في الألبوم كالدويتو الذي جمع سانت ليفانت بهيفاء وهبي "ميتسوبيشي"إلى جانب "مسكرة" مع محمد عساف وهما من الأغنيات التي حققت نجاحًا لافتًا.
لكن ما الذي دفع بإدريسي إلى هذا التعاون بعد سنوات من الغناء وتقديم التجارب الخاصة؟
مداخل مختلفة لغاية واحدة
كان واضحًا منذ أولى تجاربه أن إدريسي متعدد المواهب.. فهو مغني وملحن وكاتب كلمات مقيم في الأردن، كما درس التمثيل والإخراج في الجامعة وهي خبرات انعكست على أدواته الفنية والتي لم تقتصر على الموسيقى وحدها.
في عام 2018 أسس فرقة "جراسين" التي قدمت موسيقى تنتمي إلى نمط الإلكترو-بوب وتولى إدريسي فيها الغناء وكتابة الكلمات، بينما تولى التوزيع نيروز العجلوني الشريك الآخر في تأسيس الفرقة. برزت بين أعمالهما "لو فينا خير" التي عكست ملامح جيل صاعد كان يحاول أن يجد لنفسه مساحة في مشهد الموسيقى المستقلة.
في عام 2019 بدأ رحلته منفردًا وكانت البداية مع "علالّي" بأجواء أكوستيك، كشفت منذ اللحظة الأولى عن خصوصية صوته وحساسيته في الأداء، فيما وضع زيد خالد بصمته على الفيديو كليب البسيط للعمل.
واصل بعدها إصدار أغنياته المنفردة التي دارت في معظمها حول الحب والعلاقات لكن بعيدًا عن المفردات المستهلكة أو المعالجات التقليدية، لتظهر تدريجيًا موهبته ككاتب وملحن قبل أن تتوسع أدواته لاحقًا ليشارك أيضًا في صناعة التوزيع الموسيقي لأعماله.
تعاونات على طول الطريق
في "لأهجر وصالك"، التي تحكي عن هجر الحبيب وما يتركه الفراق من صدمة ووجع، لم يتعامل مع الفكرة من زاوية درامية مباشرة بل اختار موسيقى هادئة أقرب إلى التأمل ومراجعة الذات، وهو خيار يكشف مبكرًا عن ميله إلى تقديم المشاعر العاطفية من زوايا غير مألوفة.
لكن التعاونات بقيت جزءًا أصيلًا من مسيرة إدريسي، وإن لم تكن قائمة على البحث عن الأسماء الكبيرة أو البراقة، سواء من الموسيقيين أو المغنين أو المخرجين، بقدر ما بدت مرتبطة بمدى صدقه واقتناعه بما يقدمه الطرف الآخر.
في عام 2020، تعاون مع محمد عبدالله من فرقة "المربع" في أغنية "مرايا"، كما ظهر اسم الموزع أمجد شحرور في توزيع أغنية "جودي" في استمرار لنهجه القائم على بناء علاقات فنية تتجاوز فكرة التعاون العابر.
ومع عام 2021، وتحديدًا مع إطلاق أغنية "عمان"، بدأ إدريسي مرحلة جديدة على مستوى هويته البصرية بعدما تولى إخراج العمل بنفسه. الأغنية التي تحمل مشاعر متخبطة تجاه الحب كانت أيضًا مؤشرًا على اتساع أدواره داخل مشاريعه، فلم يعد يكتفي بأن يكون المغني أو الكاتب والملحن، بل بدأ يشارك بصورة أكبر في تشكيل الصورة الكاملة للعمل.
في العام نفسه تعاون مع زيد خالد والوايلي في أغنية "على نار". علاقة فنية تبدو منذ النظرة الأولى أكثر عمقًا من مجرد تعاون موسيقي، فكلاهما يتحرك في مساحة موسيقية متقاربة. كما تولى زيد إخراج عدد من أعمال إدريسي ببداياته بما يعكس علاقة فنية وإنسانية تطورت مع الوقت.
وفي "على نار" قدم إدريسي مقطعًا يحمل روحًا قريبة من الهيب هوب، أدى فيها تعابير مثيرة للاهتمام على طريقته: "افتح شوف أنا ابن الصوف/ حلف القمر بجورج وسوف" في إشارة إلى أحد أبرز الفنانين الذين تركوا أثرًا في ذائقته الموسيقية، بدت منسجمة مع شخصيته ومخزونه الموسيقي.
كما قدم إدريسي تجربة لافتة بأغنية مسلسل "جميل جدًا" بعنوان "مشاوير" مع سلمى مراد، لكنه هذه المرة وسع دوره ليشارك كمنتج موسيقي وكاتب كلمات إلى جانب الفنانة سارة طيبة بطلة العمل التي شاركته في الكتابة. وهو ما يؤكد أن تعدد الأدوار لم يكن مجرد تجربة عابرة في مسيرته بل أحد العناصر الأساسية في طريقته لصناعة الموسيقى.
بداية التجارب الطويلة
بعد مجموعة من الألبومات القصيرة والإصدارات المنفردة، قدم إدريسي عام 2022 أول ألبوماته الطويلة "محبوبي" الذي ضم 14 أغنية. وبينما اقترب في "الجنينة" من البوب ذي التوزيعات الشرقية الراقصة، حافظ في الوقت نفسه على جانب من الإلكترو-بوب الذي ميز بداياته كما في "فيزا"، كان الحب حاضرًا مجددًا لكن ليس بالضرورة بالصورة نفسها التي اعتاد الجمهور سماعها فإدريسي بدا وكأنه يبحث عن مفردات وإيقاعات مختلفة للتعبير عن الحالة ذاتها.
ورغم أن "محبوبي" لم يحقق أرقامًا ضخمة، فإنه كان مشروعًا أكثر وضوحًا على مستوى الهوية وكشف عن تنوع أفكار إدريسي ومصطلحاته وقدرته على الانتقال بين أكثر من مساحة موسيقية دون أن يفقد ملامحه الخاصة.
في عام 2024 أصدر إدريسي بالتعاون مع المنتج الموسيقي أحمد ضياء ألبومه القصير "مش بالكلام"، أحد أكثر مشاريعه نضجًا من الناحية الموسيقية. ضم الألبوم 6 أغنيات تناولت وجوهًا مختلفة من العلاقات العاطفية، وبرز فيه التناغم الواضح بين إدريسي وضياء سواء على مستوى الإنتاج أو الإيقاعات أو التفاصيل الموسيقية.
حملت الأغنية الرئيسية "مش بالكلام" فكرة بسيطة لكنها مؤثرة، الحب لا يُثبت بالكلمات وحدها وعندما يخذلك قد يصبح النسيان هو الباب الأقرب للنجاة. أما "زي ما الكتاب بيقول" فاختار لها إدريسي وأحمد ضياء فيديو كليب يقوم على لقطات من كواليس تسجيل الأغنية، لتبدو الصورة البصرية عفوية وبسيطة تمامًا مثل الأغنية وفكرتها عن الحب الذي يجد الإنسان نفسه منساقًا إليه مسلوب الإرادة لكنه مستمتع به.
وجاءت "بنت بلادي" في 2024 كآخر إصدارات إدريسي حتى الآن بصفته فنانًا مستقلًا ومغنيًا حاول من خلالها الاقتراب من مفردات وإيقاعات موسيقى شمال أفريقيا. ورغم لطف التجربة، بدا أن "مش بالكلام"مع أحمد ضياء كان أكثر نجاحًا خصوصًا على مستوى الأرقام وربما الأكثر قدرة على ترجمة شخصية إدريسي الموسيقية في هذه المرحلة.
فصل مختلف مع سانت ليفانت
على الرغم من معرفة إدريسي وعلاقته القريبة بوالد سانت ليفانت، لكن لم يسبق أن اجتمع الاسمان في مشروع فني، إلى حين إقامة سانت ليفانت لـ writing camp وضم إدريسي إليه، لبكتسف الاثنان أن هناك مساحة مشتركة يمكن البناء عليها.
ظهرت النتائح بوضوح وتسارع مع صدور أغنيات حملت بصمة إدريسي، وبدت جزءًا طبيعيًا من عالم سانت ليفانت بل وساهمت في تطويره، فوجدنا أنفسنا أمام لحظات نجاح فرضت تساؤلات عوض الإجابات حول مسيرة إدريسي.. وإن كان قد وجد في العمل خلف الكواليس المساحة التي تناسب أدواته المتعددة.. أم أنها ستكون مرحلة مؤقتة أو موازية قبل أن يعود إلى الواجهة كمغني من جديد.





