يصعب اختزال لطيفة في أغنية، أو ألبوم، أو حتى مرحلة. لأن مسيرتها لم تبن على القفزات الكبيرة، بل على سلسلة من الخيارات الصغيرة التي راكمت بهدوء، شخصية فنية متماسكة.
أدركت من البداية أن الموسيقى لا تصنع بصوت الفنان وحده، وأن الأغنية هي نتيجة شراكة بين المغني والشاعر والملحن والموزع. لذلك عرفت مبكرًا الأسماء التي أرادت أن تخوض معها رحلتها الفنية، والأصوات التي يمكن أن تساعدها في بناء عالمها الخاص.
كما فهمت أهمية الاستقلالية الفنية، فاختارت أن تنتج أعمالها بنفسها وتمتلك أرشيفها كاملًا، لتحتفظ بالحرية في اختيار أغانيها وشركائها. وهو قرار نادر بين فناني العالم العربي، خاصة في حقبة الثمانينيات الحقبة التي شهدت تحولات في أساليب البث، ولم يكن فيها وعي واضح بحقوق الملكية.
لكن قبل أن تصل إلى هذه المرحلة، كانت لطيفة شابة في بداية عشرينياتها وصلت إلى القاهرة حاملة صوتًا صقلته بدايةً في تونس بالكونسرفاتوار. عاشت في شقة مستأجرة، درست وتعلمت وبدأت من الصفر لتثبت حضورها في واحدة من أكثر الفترات تحولًا في تاريخ الأغنية العربية، وفي القاهرة حيث المنافسة عالية.. إلى درجة كان كثيرون يعتقدون أنها فنانة مصرية الأصل.
ظهرت لطيفة عند نقطة فاصلة بين نهاية عصر الأغنية الطربية الطويلة وبداية صعود البوب العربي بصورته الجديدة. كانت واحدة من الأصوات النسائية التي عبرت عن هذا الانتقال، وعبرت معه. لذلك لا تكمن أهمية لطيفة فقط في الأغاني التي قدمتها، وإنما في الطريقة التي بنت بها مسيرتها: كفنانة تختار، وتجرب، وتعيد تعريف نفسها باستمرار.
بدأت علاقتها مع مصر من قبل أن تنتقل إليها مع أستاذها الملحن وعازف العود علي االسريتي، الذي علمها الأدوار الشرقية وأعمال كبار الملحنين مثل رياض السنباطي وغيرهم.
كما التقت بليغ حمدي خلال إحدى زياراتها إلى القاهرة، فشجعها على متابعة دراستها الموسيقية في مصر. بعدها انتقلت مع والدتها وأخيها إلى شقة قريبة من الأكاديمية في منطقة الهرم، لتبدأ هناك رحلة طويلة لصوت حمل في داخله أكثر مما كان متوقعًا.
في السنة الأولى لها في الأكاديمية، حدث لقاء مهم مع محمد عبدالوهاب. كان قد سمعها بعد ظهورها مع فرقة أم كلثوم، حيث غنت "حيرانة ليه"، وطلب مقابلتها. في التسجيل المتداول للأداء على يوتيوب، يمكن ملاحظة العناصر التي لفتت الانتباه إلى صوتها منذ البداية: التحكم في المقام، وضوح مخارج الحروف، والقدرة على تشكيل الجملة اللحنية بإحساس طربي.
تقول لطيفة في المقابلة إنها عندما كانت بصدد توقيع أول عقد لها مع موريس إسكندر، منتج ومؤسس شركة موريفون، لم يهمها المبلغ مع إنها كانت تسكن في شقة إيجار، لكن كل ما كان يهمها هو الأسماء التي ستعمل معها، أرادت العمل مع أسماء معيّنة مثل بليغ حمدي وعمار الشريعي وغيرهم.
وبالفعل بدأت بالعمل مع الشاعر عبدالوهاب محمد، واحد من أبرز الشعراء الغنائيين من حقبة الأغنية الطربية والذي كتب لأم كلثوم أشهر أغانيها مثل "حب إيه" و"للصبر حدود". تبنى موهبتها وكتب لها أهم وأجمل الأغاني طوال مسيرتها، وتعاملت معه على أنه الأب الروحي من لحظة دخولها الساحة الفنية بألبومها الأول، التي كتب كل أغانيه.
جاء الاختبار الحقيقي مع ألبومها "أكثر من روحي بحبك". في خطوة تحمل الكثير من المخاطرة، باعت لطيفة سيارتها حتى تتمكن من إنتاج العمل، الذي جمعها مع الشاعر عبدالوهاب محمد والملحن عمار الشريعي. كان عندها جرأة غريبة، وربما كانت مطلوبة وقتها في السوق المصري.
عندما جلست مع عمار الشريعي لمناقشة الألبوم، لم تكن لطيفة تريد السير في الطريق المرسوم أمامها. كانت تعرف ما لا تريده قبل أن تعرف تمامًا ما تريد. أخبرته أنها لا تريد أغنية واحدة طويلة تملأ الألبوم، بل أرادت مجموعة من الأغنيات القصيرة، مستلهمة من الطقاطيق التي أحبتها عند أم كلثوم، مثل "إفرح يا قلبي".
كانت واعية أنها في وقت نهاية حقبة الأغنية الطربية رغم ما امتلكه صوتها من مقومات طربية، لكنها راهنت أنها ستخرج بصوت جديد، قد يكون بعيد عن الطرب لكنه فعليًا امتداد له، ولأعمال اسمين مخضرمين. وفعليًا اكتسحت سوق الكاسيت سنة 1987 بألبوم "أكتر من روحي بحبك".
جاءت "أرجوك أوعى تغير" لتنتمي إلى خط الأغنية الرومانسية الذي عرفته نجاة الصغيرة ووردة، أغنية تعتمد على اللحن الواضح والتعبير العاطفي، لكنها جاءت بلغة أقرب إلى زمن الشرائط القصيرة الذي دخلته لطيفة من أوسع أبوابه.
سنة 1993 خلال تحضيرها لألبوم "حبك هادي"، وجدت الأغنية بالصدفة خلال زيارة إلى بيت الموسيقار كمال الطويل. كانت تسمع زياد الطويل يعزف لحنًا، فسألته عنه، ليخبرها أنها أغنية بعنوان "حبك هادي". ما إن سمعت الكلمات حتى أدركت أنها لعبدالوهاب محمد، وتأكدت من ذلك بعد اتصالها به وطلبت الحصول عليها.
كانت الأغنية مكتوبة في الأصل لعبدالحليم حافظ، الذي ما كان ليتوقع أن تصبح الأغنية هيت، مع فيديو كليب سيتم منعه من البث بسبب الكلمات الجريئة. كانت لطيفة عنوان الصحافة يومها، لكنها كانت أيضًا الصوت الصحيح في المكان الصحيح، لترفض تغيير الكلمات وتتمسك بالأغنية أكثر.
تنقلت لطيفة بين مدارس كثيرة، وتعاونت مع أسماء من مختلف المشاهد، منهم كاظم الساهر الذي ظهر اسمه لأول مرة في ألبوم "ما وحشتكش"، ليلحن كاظم كلمات عبدالوهاب محمد سنة 1996. وجاء بعد ألبوم "تلومني الدنيا" الذي كان أشعار محملًا بأشعار نزار قباني. "كانت مرحلة من أعظم مراحلي الفنية، أنا خدتو في "ما وحشتكش" و"يا سيدي مسي"، وهو خدني في "العاشقين"، ما هو ده الفن، الفن الحقيقي احنا بلعب في حاجات قيمة وهادفة".
لطالما قاد حدس لطيفة اختياراتها الفنية. في ألبوم "ما تروحش بعيد" عام 2003، سجلت معظم أغاني الألبوم في باريس، قبل أن يتصل بها جان ماري رياشي، وهو المنتج الذي كان يقود أسلوبًا مجددًا يدخل الإيقاعات الإلكترونية إلى التوزيعات الشرقية.
وعندما سمعت أغنية "حبيبي ما تروحش بعيد"، شعرت فورًا أنها الأغنية التي ستمنح الألبوم هويته، فسافرت إلى بيروت في اليوم الثاني وسجلتها لتصبح عنوان الألبوم وأبرز محطاته. وقد تجاوز الأغنية تجاوز العالم العربي، وحصلت لطيفة بها على جائزة World Music Award.
تقول لطيفة عن فنها :"أنا بعيش الحالة، الحالة الفنية الموسيقية، وبحب إن أنا قدم للناس حاجة تسعدهم، لكن أنت بالنهاية بتعملي كون خاص بيكي". سنة 2003 قادتها هذه الحالة إلى استديو زياد الرحباني، لتخرج معه بواحد من أهم الألبومات بمسيرتها "معلومات أكيدة" وتدخل مساحة لم نسمعها بها سابقًا إن كان باللهجة اللبنانية أو حتى تأثيرات الجاز والسول التي رافقت صوتها.
تبكي لطيفة في المقابلة أمام صورة زياد وذكراه، بعد أن رحل عن عالمنا صيف العام الماضي. هي التي تحضر اليوم إلى نشر ألبومه الأخير معها والذي سيصدر بداية العام، وتحكي عن تجربتها مع ن كواليس "معلومات أكيدة" : "أحلى وأصدق كواليس، وأكثر كواليس أخدت فيها مفاجآت إيجابية في حياتي مع فنان عظيم مع قيمة كبيرة زي زياد الرحباني، اشتلغناه بحب الألبوم"" تتوقف لثوانٍ ثم تردف: " هي دي السعادة: أني كون في الاستديو مع زياد".
لم تمر على مدرسة الرحابنة دون أن تشارك بمسرحياتهم، حيث تعاونت مع منصور الرحباني في مسرحية "حكم الرعيان". وتحكي عندما ذهبت لتوقع العقد دون محامي ولا متطلبات مالية، كان كل همها أن يكون اسمها حاضرًا في ساحة الرحابنة، أن تقدم المسرح الغنائي والتمثيلي، خاصة بعد أن خاضت تجربتها التمثيلية الوحيدة مع المخرج يوسف شاهين في فيلم "سكوت هنصور".
في الحقيقة، النقود لم تكن يومًا هي المحرك الأساسي لمسيرة لطيفة، فقد أخذت بنصيحة الشاعر الذي رافقها من بدايتها عبدالوهاب محمد وأنتجت لنفسها من الألبوم الأول، لتمتلك الحرية المالية التي ساعدتها باختيار صناع ألبوماتها وأغانيها، وأن تسافر من بلد لبلد بحثًا عن لحن أو موزع، دون قيود إنتاجية لتقييد ابداعاتها. حتى صارت من المغنيات القلائل اللواتي يمتلكن أرشيفهن كاملًا لتقول:"أنا أملك كل ما أغني، وكمان كليباتي، فأنا فرحانة".
حتى بعد أكثر من إنتاجها حوالي 20 ألبوم، لم تتعامل لطيفة مع أرشيفها كمنطقة مكتملة لا تحتاج إلى إضافة. في ألبومها "قلبي ارتاح" عام 2025، اختارت أن تفتح الباب أمام جيل جديد من صناع الأغنية، فتعاونت مع أسماء مثل مصطفى حدوتة والموزع كولبيكس بوي والشاعر محمد شافعي، الذين رأت فيهم امتدادًا لحالة البحث والتجريب التي رافقت مسيرتها منذ البداية.
بعد أكثر من أربعة عقود، لا تبدو مسيرة لطيفة مثل مسيرة أي فنانة حاولت فقط الحفاظ على مكانتها، وإنما فنانة ظلت تبحث عن مساحات جديدة داخل الموسيقى. من الطرب إلى البوب، ومن القاهرة إلى بيروت وتونس، ومن كبار ملحني القرن الماضي إلى جيل جديد من صناع الأغنية، بقي القاسم المشترك هو فضولها تجاه التجربة.
كانت اختياراتها محاولات ناجحة لتغيير الصورة أو مواكبة الزمن، وامتدادًا لفكرة آمنت بها منذ بدايتها: أن الفنان لا يتوقف عن التعلم، وأن الصوت الحقيقي لا يعيش في لون واحد. وربما لهذا السبب بقيت قادرة على العودة بأشكال مختلفة من دون أن تفقد ملامحها الخاصة.

