أغنية طفولية كتبها صبي في سن العاشرة كرسالة لوالدته، كانت كافية لأن تلتفت الأم إلى موهبة ابنها وتقرر أن تحميها وتطورها. قد تبدو البداية كلاسيكية في سرديات الفن، لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، تعود الأم لتكون بطلة الحكاية مجددًا، لا بوصفها ذاكرة، بل مفتاحًا لفهم المسار الكامل لشخصية مروان خوري، الذي بات اليوم أحد أبرز صُنّاع الأغنية العربية.
منذ اللحظة الأولى التي تعرّف فيها الجمهور إلى اسمه، لم يُقدَّم مروان نفسه كمغنٍ فقط، بل كملحّن وشاعر أيضًا. بدا وكأنه يحمل فائضًا من الأحاسيس وأدوات التعبير، فبات يوزّعها بين صوته وصوت الآخرين. عشرات الأعمال التي قدّمها لنجوم، من فضل شاكر إلى آدم، أثبتت حضوره كفنان متكامل. ثم نجد الأغاني التي قدّمها للأصوات النسائية مثل كارول سماحة وإليسا وغيرهن، تنتقل بنا إلى بعد آخر. لم تكن مجرّد أغنيات ناجحة، بل قصصًا محكمة البناء، مكتملة العاطفة، تعكس الصوت الداخلي للأنثى بمنتهى الرهافة.
لا يغفل مروان هذه الملَكة. يحللها لنا من زاوية شخصية بأن يخبرنا عن ارتباطه العميق بوالدته في طفولته. منحه هذا فهمه المبكر لشخصية المرأة، وقربه من حساسيتها وهو ما جعله قادرًا على الإمساك بخيط الحكاية الأنثوية وإعادة صياغتها بصدق نادر. فيبدو حين يكتب عن المرأة أو للمرأة، وكأنه يمنحها صوتها الداخلي.
يخبرنا قائلًا: "الحب الأول في حياة الصبي الصغير، قبل ما يكون رجل، بيبدا مع أمه. بالشكل الواعي واللاواعي. هي أول امرأة بحياته، وهيي اللي بتعطيه الصورة الفعلية ع المرأة. يعني كيف بينظر الواحد لأمه بصير ينظر للمرأة كل حياته".
دخل مروان الساحة الفنية في لحظة انتقالية حادة بين أواخر التسعينيات وبدايات الألفية؛ مرحلة ثورية كانت فيها الصناعة تبحث عن الإيقاع الأسرع، والتوزيع العصري، والتأثيرات الغربية، وصوت التغيير يطغى على كل صوت. إلا أن مساره لم يكن رد فعل على الموجة، بل امتدادًا لخط اختاره لنفسه فهندسه بهدوء وسط كل الضجيج.
بعد مرحلة اكتشاف الموهبة، منحته دراسته الموسيقية الأكاديمية في مؤسسة صارمة أدوات مبكرة وناضجة في آن. ألحان مثل “معقول” بصوت فضل شاكر كشفت عن أسلوبه “السهل الممتنع” الذي سيصبح لاحقًا سمة أساسية في أعماله. في "مغرم" التي غناها جاد نخلة، سمعنا انتقالات مقامية شرقية متقنة، كشفت عن مؤلف موسيقي في غاية الجدية، ووشت بتلميذ من مدرسة موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب.
أما فيما قرر مروان أن يغنّيه بنفسه من أعمال، بدا وكأنه يحتفظ لنفسه بخلاصة الإحساس. صدرت أغنية “كل القصايد” عام 2004، فأحدثت عاصفة مازال أثرها واضحًا لليوم، حين يطالبه الجمهور بأدائها في كل وقفة له على المسرح، وأينما كان حول العالم. افتتحها حينها بأبيات باللغة العربية الفصحى بنفس شعري أصيل جعل كثيرين يعتقدون أنها مقتبسة من الشعر الجاهلي، قبل أن ينتقل منها إلى لغة عاطفية أبسط، أقرب إلى الحياة اليومية. سرعان ما أتبعها بأغنية “قصر الشوق”، التي بدت كجزء ثانٍ أكثر صرامة موسيقيًا وأكثر رهافةً لغويًا. تنساب ضرباته على مفاتيح البيانو عبر مقدمة كتبها وكأنها مدخل سيمفونية، ثم يهمس بعدها بهدوء: “صوتك، وجهك، عطرك، شعرك”… معدّدًا الصفات التي يتأملها وكله دهشة.. دهشة من لم يصفعه ألم الحب قبل هذه اللحظة!
يخبرنا: "في أغاني هية نتيجة مشاعر مختلطة.. فترة زمنية معينة. إذا بتسأليني إرجعلا بقلك مش متذكر بوقتا شو كان. بس كنت مروان الحر. الطائر الحر بالمطلق. بس بتذكر وأنا عم اشتغل هالغنية حسيت فيها بشكل مكثف.. حتى في أغاني كنت تنزل دمعتي وأنا عم لحنا. أنا اعمل اللحن واللحن هو يعكس عليي. وكأن الجملة جاي من داخلي ومن برا بنفس الوقت." ما يميّز أسلوب مروان إذًا ليس الصخب، بل الهدوء وصدق الإحساس. الجملة اللحنية لديه طويلة النفس، متأنية، تُبنى طبقة فوق أخرى. البيانو ليس آلة مرافقة، بل شريك سردي. المقامات تتحرك بذكاء، من دون استعراض تقني فجّ.
ومن بين هيتات أخرى عديدة قدمها عبر السنوات، اختار مروان أن يركز في حديثه على حكايته مع أغنية "العد العكسي" التي صدرت كتتر لمسلسل درامي. فبعد نجاحات متتالية، وجد نفسه أمام تحدي الاستمرارية، ومن مواجهة قاسية مع نفسه حول خطواته القادمة، اعترف لنفسه أن العد العكسي قد بدأ: "بشغلنا نحنا مش دايمًا فوق.. في كتير تحديات بتصير. وقوة والفنان فعليًا مش بس النجاح هي بالاستمرار والتكيف مع التغييرات. والتغييرات كتيرة. بهي المرحلة تقريبًا بالـ 2014 كنت بحالة الانتظار. بين ما قدمته قبل وبين إني بدي قدم شي جديد. كنت بإنتظار شي.. وأكتر شي كان بيشبهني بهي المرحلة كانت دراما التلفزيون. بحب قدم أغاني فيها عمق بالموضوع وفيها صورة.. واجت الفرصة بالمسلسل. وأنا عم اشتغل عالغنية كنت عم قول قصتي أنا: عم يبدا العد العكسي من بعد الانتظار.. قرر عن نفسي بنفسي بإيدي آخد قرار".
المفارقة أن الأغنية التي وُلدت من قلق، كانت نقطة تحول جديدة، وبوابة لمرحلة مختلفة من الإبداع. إذ صدرت "العد العكسي" ليصبح اسمه بعدها مقترنًا بمزيد من التترات، فانتقل من كتابة أغانٍ تؤديها أصوات نسائية، إلى كتابة أغانٍ تمهّد لحكاية امرأة على الشاشة. أعمال مثل “لو” و"قلبي دق" و"حبي الأناني" و“إحساسي” كرّست مدى فهمه للشخصية النسائية مع حسّه الدرامي والعاطفي العالي.
المدهش في مروان خوري أنك تجلس معه لوقت قصير، فتشعر أنك تعرفه منذ زمن، وأنك تفهمه بعمق. تفهم فلسفته وحساسيته، فتتحدثان عن الحياة والموت، عن الزواج والأمومة، عن التفاؤل والتشاؤم، ويبقى هو واضحًا ومباشرًا أمام محدّثه وكأنه كتاب مفتوح. لربما لأنه تدرب لسنوات طويلة على صدق التعبير والإحساس.. فكان بالمحصلة إنسانًا وضع كل أدواته ومواهبه - سواء تلك التي ولدت معه بالفطرة، وأخرى اكتسبها من والدته وسنوات تنشئته- في خدمة هدف واحد نبيل: أن يجد لغة خاصة يتواصل فيها مع العالم من حوله، ويتفاهمان، فكانت لغته أغاني الحب..

