من الصعب أن نتخيل الطريق إلى قمة المشهد الموسيقي المصري. ليس فقط لأن مصر تملك واحدة من أكبر القواعد الجماهيرية في العالم العربي، بل لأن النجاح فيها لا يتحقق داخل مساحة واحدة أو ذائقة محددة. هنا، تتجاور مدارس البوب مع الطرب، وتتحرك الموسيقى الشعبية والمهرجانات بجماهيرية جارفة، فيما يواصل الهيب هوب المصري تغيير لغته وإيقاعه مع كل جيل جديد. في بلد بهذا الحجم والتنوع، لا يكفي أن تصنع أغنية ناجحة؛ عليك أن تحافظ على حضورك وسط مشهد لا يتوقف عن إنتاج الأصوات، ولا يمنح الصدارة بسهولة.
لذلك، لم يكن وصول محمد حماقي إلى صدارة قائمة بيلبورد عربية 100 فنان، وبقاؤه فيها لأسابيع بعد صدور ألبومه الجديد "سمعوني"، مجرد نتيجة رقمية مبهجة لفريقه وجمهوره. بدا الأمر أقرب إلى تأكيد جديد على مكانة فنان يعرف كيف يواصل المنافسة بعد أكثر من عقدين على بدايته، وكيف يعيد تقديم نفسه من دون أن يبتعد عن صورته التي أحبها الجمهور.
لكن الحقيقة أننا لم نكن ننتظر نتائج القوائم حتى نضع محمد حماقي على غلاف بيلبورد عربية. كانت الفكرة رحلة امتدت لعامين من التخطيط، في انتظار اللحظة المناسبة. فنان بحجمه يعرف متى يظهر ومتى يغيب، وتبدو خطواته محسوبة بدقة تكاد تشبه طريقته في اختيار أغانيه. يخبرنا، خلال اللقاء، عن الوقت الطويل الذي يحتاجه قبل أن يضم أغنية إلى ألبومه؛ كيف يجلس معها وحده، يعيد سماعها على مدى أشهر، وينتظر تلك اللحظة التي يقتنع فيها أنها أصبحت تخصه فعلًا. من هنا، لم يكن قراره بالانضمام إلينا في محادثة مطولة قرارًا عابرًا، بل جاء في توقيت بدا هو نفسه مؤمنًا بأنه اللحظة الصحيحة للحديث.
في الأيام التي سبقت جلسة التصوير، كانت الأغاني الثماني عشرة التي شكّلت الألبوم قد دخلت جميعها قائمة هوت 100. عندها فقط بدا مستعدًا للعودة خطوة إلى الوراء، واستعادة الرحلة كاملة؛ رحلة اختيار 18 أإنية من بين عشرات الأعمال، فيخبرنا: "زمان وأنا صغير، كنت قريت كده مايكل جاكسون كان بيقول I don't believe in B sides. يعني هو ما عندوش حاجة اسمها side B.. يعني ما بيبقاش حاسس إنه هو بيشتغل أغنية يقول آه الأغنية دي هتبقى في side B. الأغنية دي تبقى في side B يعني هي مش مهمة أو هو حاسس إنها مش جامدة فحيحطها في side B. فهو ما كانش بيعترف بالـ side B ده. فأنا عجبتني الحكاية دي من وأنا صغير بشتغل بالمبدأ ده."
حمل الألبوم أكثر من مفاجأة لجمهوره.. كانت أبرزها "بحرية"، الأغنية التي اختارها لتكون أول دويتو في مسيرته، وجمعته بـ شيرين عبد الوهاب، في تعاون انتظره الجمهور طويلًا، وجاء بالتزامن مع عودتها إلى النشاط الفني بعد مدة من الغياب. سرعان ما تصدرت الأغنية قوائم الاستماع في مصر والعالم العربي، لكنها أثارت أيضًا نقاشًا واسعًا حول خيارات مفرداتها، وهو نقاش لم يتردد حماقي في التوقف عنده خلال لقائنا.. بل ويعترف أنه توقعه: "أنا طول الوقت بقول لو عملت أغنية الناس ما هنجتش قدامها (استغربتها) شوية كده، يبقى ما فيش حاجة جديدة."
بعيدًا عن الجدل، كان تفسيره للأغنية شخصيًا ودافئًا على نحو لافت. تحدث عن الكلمات التي أعادته إلى شرفة منزل جدته في الإسكندرية، حيث كانت العائلة تجتمع بعد الغداء، ويبدأ وقت الشاي مع اقتراب الغروب. لم يكن يشرح أغنية بقدر ما كان يستعيد ذاكرة كاملة، جعلت "بحرية" تبدو امتدادًا لبيئة مصرية يعرفها جيدًا، ويحاول أن ينقل دفئها إلى المستمع. وفي تلك اللحظة، بدا حديثه كاشفًا عن محمد حماقي الإنسان أكثر مما كان شارحًا لمحمد حماقي الفنان.
لم تقتصر مفاجآت "سمعوني" على الدويتو الأول، بل حمل الألبوم أيضًا عودة واحدة من أبرز الثنائيات في تاريخ البوب المصري الحديث. فبعد سنوات من الانقطاع، عاد التعاون بين محمد حماقي والملحن عمرو مصطفى، الشريك الذي ارتبط اسمه ببدايات صعوده، وقدّم معه عشرات الأغنيات التي ساهمت في تشكيل ملامح جيل كامل من أغنيات الألفية الجديدة. وفي "سمعوني"، كان اجتماعهما انتهاءً لخلاف، واستكمالًا لمسار موسيقي بدأ قبل أكثر من عقدين، منذ أغنيات مثل "أحلى حاجة فيك"، التي لا تزال حتى اليوم حاضرة في ذاكرة الجمهور بوصفها واحدة من المحطات التي أسهمت في رسم ملامح البوب المصري الحديث.
ورغم أن محمد حماقي يخبرنا، خلال اللقاء، أنه تعمّد طوال سنوات ألا يربط أغانيه مباشرة بحياته الشخصية، وألا يكشف القصص الحقيقية التي وُلدت منها إلا بعد مرور وقت طويل، حتى يمنح الجمهور فرصة لتلقيها بعيدًا عن سيرته الذاتية، فإن ما حدث كان مختلفًا تمامًا. فالجمهور بنى علاقته بالأغنيات قبل أن يعرف حكاياتها، وارتبط بإحساسها قبل أن يكتشف الظروف التي كُتبت فيها.
لعل "ما بلاش" هي المثال الأوضح على ذلك. فالأغنية التي أصبحت واحدة من أبرز المحطات في مسيرته، لم يعرف كثيرون إلا بعد سنوات أنها كانت، في حقيقتها، رسالة إلى والده بعد رحيله، ومحاولة شخصية للتعامل مع الفقد. لم يحتج المستمع إلى معرفة تلك القصة حتى يتأثر بها، وربما لهذا السبب آثر حماقي دائمًا أن يترك أغانيه تعيش حياتها الخاصة، قبل أن يكشف شيئًا من حياته هو. يقول: "الحقيقة أنا حكيت القصة بعد ما خلاص خالص. يعني ما كنتش عايز أأثر على الناس بقصتي الشخصية. وما كنتش عايز أحاصر الأغنية فكرة واحدة" ويتابع شارحًا: "كل واحد بيسمع الأغنية زي ما بيحس هو. مش لازم يسمعها زي ما أنا حكيت قصتها يعني. وخصوصا الأغاني اللي بها حالة خاصة فعلًا. يعني أنا مثلا ما بلاش عندي قصة حقيقية فيها. مش كل الأغاني كده. يعني أنا أكتر الأغاني اللي بغنيها مش لازم أكون عشت تجربتها يعني. أنا بمثل تجربتها. ودايمًا أنا بقول الحكاية دي، بقول إن المغني أصلًا هو ممثل."
وبين أغنيات الأمس واليوم، يصعب اختصار محمد حماقي بمفهوم "الهِت". ثمة شيء أكثر هدوءًا يحدث في مسيرته. نجاحاته لا تصرخ، بل تهمس همسات تتراكم وتؤثر في الذاكرة. لا تعتمد على أغنية تظهر بقوة ثم تختفي، بقدر ما تعتمد على أعمال تستمر في الحياة مع أصحابها. وربما كان أوضح دليل على ذلك أن أغنيات "سمعوني"، حين دخلت قوائم بيلبورد عربية، وجدت نفسها تنافس أغنية صدرت قبل نحو عشرين عامًا هي "وافتكرت". كان جديده يقف إلى جانب قديمه، لا ليزيحه، مؤكدًا أن الاثنين ينتميان إلى الحكاية نفسها.
هذا النوع من الاستمرارية لا يبدو منفصلًا عن شخصية صاحبه. فحضور حماقي يمنح المكان هدوءًا يشبه هدوء أغانيه. يتحدث بهدوء، يستمع بهدوء، ويفكر قبل أن يجيب. يبتسم كثيرًا، ويتحدث بمحبة واضحة عن عائلته، وعن زوجته وابنته، وعن أخيه وابن أخيه، فتتكون أمامك صورة شخص لا يبدو مختلفًا كثيرًا عن جمهوره، بقدر ما يبدو قريبًا منهم. وربما لهذا السبب أيضًا تبدو أغانيه مألوفة منذ الاستماع الأول؛ لأنها لا تحاول افتعال الإحساس، بل تكتفي بأن تعكسه كما هو. وكما يختار خطواته بعناية، يكتب موسيقاه بالهدوء نفسه، ويتركها تكبر مع الزمن، لا مع الضجيج.
وربما كانت المفاجأة الأخيرة في جلسة التصوير هي التي لخصت كل ما سبق. فمع اقتراب نهاية الحوار، ابتعدنا قليلًا عن الموسيقى، ووجدنا أنفسنا نتحدث عن كرة القدم. بدا الأمر طبيعيًا في توقيت يتابع فيه ملايين المصريين والعرب منافسات كأس العالم، لكنه كشف جانبًا آخر من شخصية محمد حماقي، جانبًا لا يظهر كثيرًا في هدوئه المعتاد.
يعرف الجمهور أن حلمه الأول لم يكن الغناء، بل كرة القدم. لعب في فرق الناشئين، وكان يطمح إلى الاحتراف قبل أن تقوده الحياة إلى الموسيقى. لكن ما إن بدأ الحديث عن الملاعب حتى تبدلت نبرة صوته. راح يتحدث بحماس عن المنتخب المصري، وعن لاعبيه المفضلين، وعن ذكرياته مع قميص الأهلي، وعن ذلك الشغف الذي لم يغادره يومًا، حتى وإن غادر هو المستطيل الأخضر.
في تلك اللحظات، بدا واضحًا أن الهدوء الذي يحيط بمحمد حماقي لا يخلو من روح تنافسية عالية. بل ربما يخفيها أكثر مما يعلنها. ذلك الهدوء الذي يظهر في اختياراته، وفي طريقة حديثه، وفي حضوره أمام الناس، لا يعني غياب الرغبة في الفوز، بل يبدو أقرب إلى الثقة بمن يعرف أن السباقات الطويلة لا تُحسم بالصخب، وإنما بالنَّفَس الطويل.

