على امتداد عقود، تطوّر مشهد الجاز في مصر عبر تجارب موسيقية متعددة، جمعت بين الارتجال والتقاليد الموسيقية المحلية والتأثيرات العالمية. ومن الفرق التي أسست لهذا المشهد في ستينيات القرن الماضي، إلى المشاريع المستقلة التي ظهرت في الألفية الجديدة، ساهم موسيقيون مصريون في صياغة هوية خاصة للجاز.
صلاح رجب
يُعد صلاح رجب من الأسماء المؤسسة لمشهد الجاز المصري. فإلى جانب عمله مسؤولاً عن الموسيقى العسكرية في الجيش المصري، أسس عام 1968 فرقة Cairo Jazz Band، التي تُعد أول فرقة بيغ باند للجاز في مصر.
امتدت تجربته إلى التعاون مع الموسيقي الأميركي Sun Ra، الذي التقاه خلال زيارته إلى مصر عام 1971. وتُوّج هذا التعاون بتسجيلات موسيقية عام 1983، جمعت أعمال صلاح رجب وفرقته مع Sun Ra Arkestra، في واحدة من التجارب التي ربطت الجاز المصري بالمشهد العالمي.
يحيى خليل
ارتبط اسم عازف الطبول يحيى خليل لدى جمهور واسع بتعاونه مع محمد منير في ألبوم "شبابيك"، لكن مسيرته مع الجاز بدأت قبل ذلك بسنوات. خلال ستينيات القرن الماضي، سافر إلى الولايات المتحدة، حيث درس الموسيقى في شيكاغو والتحق بـ American Music Conservatory.
بعد عودته إلى مصر، ساهم في تطوير مشهد الجاز المحلي، واشتُهر بتقديم صيغة تمزج الارتجال والتوزيعات الجازية بعناصر من الموسيقى الشرقية، من خلال توظيف آلات مثل القانون والطبلة والأكورديون. وقد ساعدت تجربته في فتح مساحة للتفاعل بين الجاز والتقاليد الموسيقية المصرية.
فتحي سلامة
يُعد الموسيقي والملحن فتحي سلامة من أبرز الأسماء التي ساهمت في توسيع حدود الجاز المصري. وإلى جانب تعاونه مع محمد منير ومشاركته في ألبوم "شبابيك"، أسس عام 1988 فرقة "شرقيات"، التي قدمت تجربة موسيقية تمزج الجاز الارتجالي بالأنماط والإيقاعات الشرقية.
قدمت الفرقة أكثر من 2000 حفلة حول العالم، وشاركت في مهرجانات وفعاليات موسيقية دولية، لتصبح إحدى التجارب التي عرّفت جمهوراً واسعاً على إمكانات المزج بين الجاز والموسيقى الشرقية.
افتكاسات
مع بداية الألفية الجديدة، ظهرت فرقة افتكاسات عام 2001، مقدمة تجربة مختلفة في مشهد الجاز المصري. جمعت الفرقة بين الجاز الشرقي والتأثيرات اللاتينية والبلقانية واليونانية، إلى جانب عناصر من موسيقى الروك.
وقدمت افتكاسات ألبومات رسخت حضورها في المشهد المستقل، من بينها "مولد سيدي اللاتيني" الصادر عام 2006، و"دندشة" عام 2010. وأسهمت تجربتها في توسيع مساحة التجريب الموسيقي، وإدخال تأثيرات متعددة إلى الجاز المصري.
أحمد حرفوش
يمثل مغني الجاز أحمد حرفوش امتداداً معاصراً لهذه التجارب، من خلال تأسيسه Harfoush Jazz Band وإطلاق مشروع Egyptian Jazz Projekt.
يعيد المشروع تقديم مجموعة من الأغاني المصرية التي اشتهرت خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، خصوصاً أغاني الأفلام السينمائية، عبر توزيعات تستلهم موسيقى السوِينغ واللاتين جاز. ومن خلال هذه المقاربة، يضع حرفوش الأغنية المصرية في سياق موسيقي مختلف، ويعيد تقديمها لجمهور جديد.
مشهد مفتوح على تجارب جديدة
لا يزال مشهد الجاز المصري مساحة مفتوحة للتجريب والتفاعل بين ثقافات موسيقية مختلفة. فمن تجارب صلاح رجب ويحيى خليل وفتحي سلامة، وصولاً إلى الفرق والمشاريع التي ظهرت في الألفية الجديدة، حافظ هذا المشهد على قدرته على استيعاب مؤثرات جديدة وإعادة توظيفها ضمن سياق محلي.
ومع استمرار مهرجان القاهرة الدولي للجاز وظهور فرق وموسيقيين من أجيال مختلفة، تتواصل محاولات إعادة اكتشاف هذا النوع الموسيقي وتوسيع حضوره في مصر.

