يعرف الجيل الجديد أحمد سعد من أغانيه الراقصة مثل "وسع وسع" و"اليوم الحلو ده"، لكن من تابع أحمد سعد منذ بداياته، يعرف جيدًا أننا أمام مطرب يملك صوتًا استثنائيًا، لهذا تبدو قدرته على التلون الغنائي واحدة من أكثر السمات التي تستحق التوقف عندها.
ليس لكونه مطرب يستطيع أن يغني الطربي والدرامي والشعبي واللاتيني فحسب، وإنما لأن انتقاله بين هذه الألوان لم يُفقد صوته هويته.
في عيد ميلاده الخامس والأربعين تبدو رحلة أحمد سعد الغنائية دليلًا حيًا لقدرة مطرب واحد على أداء كل ألوان الغناء، من الغجري واللاتيني، إلى الطربي الشرقي، وصولًا إلى الأغنية الخفيفة الراقصة، فكيف ابتلع صوته كل هذه القوالب الغنائية وصبغها بهويته بسهولة ؟
"أشكي لمين" إنطلاقة غجرية !
منذ بدايته، كان هناك شيء في صوت أحمد سعد يسمح له بأن يتحرك بين عوالم متباعدة، مساحة صوت واسعة، بحة خشنة مميزة، إمتلاك فذ للعُرب والزخارف الغنائية، وأخيرًا القدرة على التمثيل بالصوت، وهو ما يمكن اكتشافه بالعودة لأول ألبوماته "أشكي لمين" الذي صدر في بدايات الألفية.
في الأغنية التي حملت اسم الألبوم، ظهر أحمد سعد بصوت شرقي، لكن داخل بناء موسيقي يستند إلى الموسيقى الإسبانية، مستخدمًا العُرب والزخارف الغجرية.
الأهم أن "أشكي لمين" لم تكن مجرد تجربة عابرة. ألبومه الأول نفسه كشف عن مطرب قادر على الانتقال بين أكثر من شخصية، بداية من "جراحي" ذات الطابع الدرامي، إلى "عزيز عيني" بإيقاعها الشرقي الراقص.
ورطة بين الدراما والسياسة
رغم التنوع في البداية إلا أنه مع مرور السنوات، بدأت إحدى هذه الشخصيات تُسيطر على الصورة الذهنية لأحمد سعد وهي المطرب الدرامي، ظهر ذلك في أغنية "سألت نفسي كتير".
المفارقة أن أحمد سعد وجد نفسه متورطًا في صورة أخرى وهي المطرب "السياسي" دون قصد. ترسخت هذه الصورة بعد تقديمه أغاني فيلم "الفاجومي" عن حياة الشاعر أحمد فؤاد نجم، وتلاها أغنيته الشهيرة "مش باقي مني" في فيلم "دكان شحاتة" للمخرج خالد يوسف، والتي تم استغلالها دعائيًا في الأحداث السياسية التي عاشتها مصر قبيل عام 2011 .
لكن أحمد سعد نفسه أعلن لاحقًا أن شخصيته الفنية في تلك المرحلة لم تكُن مستقرة، رغم اعتزازه بهذه التجارب إلا أنه لا يراها إطارًا محددًا لشخصيته الفنية.
جاءت مرحلة أغاني تترات المسلسلات لتنقل أحمد سعد لمنطقة مختلفة، مدت جسرًا من الألفة بينه وبين جمهور الشاشة الصغيرة.
كانت الإنطلاقة الحقيقية في تتر مسلسل "شارع عبد العزيز" الذي أظهر فيه سعد قدراته كمطرب مُتمكن يجيد التنقل بسلاسة بين المقامات الشرقية ويلقي المواويل بخفة وراحة.
عزز هذه الصورة في مسلسل "يونس ولد فضه" عندما قدم أغنية "بحبك يا صاحبي" ذات الطابع الطربي الشعبي.
معها اكتشف الجمهور الجانب الأكثر قوة وتأثيرًا في صوته. أحمد سعد يمتلك خامة قادرة على تفسير الجملة الغنائية، والانتقال بين القرار والجواب مع مسحة شجن واضحة .
شخصية المطرب الرومانسي
لكن اختزال أحمد سعد في هذه المنطقة ربما ظلم صوته، ففي الوقت الذي كان فيه الجمهور يُصنفه كمطرب درامي كان أحمد سعد يملك شخصيات فنية أخرى.
ظهر هذا بوضوح في "عليكي عيون"، التي أعادت تقديمه في مساحة رومانسية ناعمة، فالأغنية لم تكن مجرد نجاح جديد، وإنما بدت وكأنها تذكير بأحمد سعد القادر على تقديم الحب من دون المبالغة التي تفرضها خامته الصوتية.
في جلسة "بيلبورد عربية"، ظهرت هذه القدرة بوضوح عندما قدم الأغنية بمعالجة موسيقية مُختلفة، فبدا أن قوة صوته ليست مرتبطة بالتوزيع الدسم، وإنما صوته نفسه قادر على نقل الأغنية الواحدة لمساحات مختلفة.
"وسع وسع" الإنفجار الجماهيري
حين تغيرت الأغنية، وسيطرت جنرات جديدة أبرزها التراب والمهرجان، وجد سعد لنفسه مكانًا في المشهد، فالصوت الذي عرفه الجمهور بالطرب والشجن، تحول إلى جزء من الإيقاع الصاخب، لم يستخدم قوة صوته في التطريب بل في الإنفعال والأداء مع الإيقاع وبناء الموسيقى.
هذه القدرة ظهرت أيضًا في "إيه اليوم الحلو ده"، حيث ترك أحمد سعد المساحة للصوت أن يكون خفيفًا ومرحًا بدلًا من أن يثبت قوته.
وفي "اختياراتي"، ذهب خطوة أبعد نحو الأداء الاستعراضي. لم يتعامل أحمد سعد مع الأغنية باعتبارها مساحة للغناء فقط، وإنما جزء من شخصية جديدة تبنى تباعًا مع كل أغنية .
النُضج الفني أم القدرة الاستثنائية؟!
رغم النجاحات التجارية الساحقة التي حققها أحمد سعد، وتصدره التريند والاستماعات، قرر العودة إلى روحه القديمة، وكأنه أراد أن يذكر جمهوره بشخصيته الأولى التي ظهرت في "أشكي لمين"، فقدم ألبوم "حبيبنا" باختيارات تمزج بين الموسيقى اللاتينية والأداء الرومانسي، والموضوعات الثقيلة .
في تلك التجربة زادت الخبرة، والصوت نضج، وطريقة التعامل مع الموسيقى أصبحت أكثر اتساعًا، لكن هناك خيطًا ظل موجودًا منذ البداية، وهي قابلية صوته للاندماج مع موسيقى لا تنتمي بالضرورة إلى القالب الشرقي دون أن يفقد هويته المصرية.
في الحقيقة هو مطرب يستطيع أن يكون شعبيًا في "بحبك يا صاحبي"، ورومانسيًا في "عليكي عيون"، وراقصًا في "وسع وسع"، وخفيفًا في "إيه اليوم الحلو ده"، واستعراضيًا في "اختياراتي"، وقادرًا على استيعاب التأثيرات اللاتينية في "أشكي لمين" و"حبيبنا" و"مفتقدني".
حتى تجاربه الأخيرة بين الألبومات ذات الصبغة الواحدة مثل "الحزين" و "الفرفوش" وأخيرًا "الإليكترو" بدت جميعها كتجارب تُبرز قدرة أحمد سعد على التلون الغنائي، لتسأل نفسك : كيف يقدر على غناء كل هذه الألوان دون أن يفقد هوية صوته؟
ربما لأن التلون عند أحمد سعد لا يقتصر على الصوت وحده، وإنما على مستوى الشخصية، وهنا يكمن سر تجربته، فالتنوع الحقيقي ليس أن تغني كل شيء، بل أن تجعل ما تغنيه لائقًا لصوتك وكأنه صُنع له.






