عندما صدر ألبوم "خلينا نعيش" في صيف عام 2003، لم يكن محمد حماقي بالنسبة لساحة الغناء سوى صوت جديد يحاول اقتناص مكان وسط النجوم.
لكن يبدو اليوم وبعد 23 عامًا، أن "خلينا نعيش" لم يكن مجرد ألبوم أول لمطرب شاب، بل كان مشروعًا متكاملًا لصناعة نجم جديد. مشروع كان مُهندسه الأول والأهم الموزع الكبير طارق مدكور، والذي وجد في محمد حماقي الصوت المناسب لتقديم نجم حقيقي للبوب المصري في الألفية الجديدة.
ولعل أفضل طريقة لقراءة الألبوم اليوم، بالتزامن مع وصول حماقي إلى ألبومه العاشر "سمعوني"، ليست اعتباره نقطة بداية فحسب، وإنما باعتباره "النص التأسيسي" لمسيرة حماقي، الألبوم الذي ترسخت فيه معظم الملامح التي ستصبح جزءًا أصيلًا من شخصيته الفنية حتى الآن.
من الكورال إلى المشروع
قبل سنوات من ظهور اسمه على أغلفة الكاسيت، كان محمد حماقي واحدًا من عشرات الأصوات الشابة التي تبحث عن فرصة بين الاستوديوهات. خريج كلية التربية الموسيقية بدأ رحلته العملية كمغني كورال مصاحبة لعدد من نجوم تلك المرحلة، ومن بينهم مصطفى قمر، ليكتسب خبرة عملية مبكرة في عالم التسجيلات والحفلات.
ما لا يعرفه الكثيرون أن خلال تلك الفترة التقى حماقي بحميد الشاعري الذي رأى في صوته تماسًا مع شخصية إيهاب توفيق الفنية، فوجد الطريق مسدودًا عبر "الكابو". غير أن نقطة التحول الحقيقية جاءت عبر القطب الآخر للتوزيع طارق مدكور، الذي تعرف إلى حماقي عن طريق أحد زملائه في الكلية.
ما لفت انتباه مدكور لم يكن جمال الصوت فقط، بل شخصية فنية قابلة للتطور. كان يرى أمامه مطربًا يمتلك الثقافة الموسيقية والرغبة في التعلم، وهي عناصر جعلته يتعامل معه كمشروع فني هو مُنتجه المُنفذ.
في عام 1998 قدم مدكور حماقي لأول مرة للجمهور بأغنية "الحلو يحب الحنية" ضمن ألبوم "لقاء النجوم". لم تحقق الأغنية انتشارًا، لكنها كانت بمثابة الاختبار الأول. بعدها شارك حماقي في ألبوم أغاني فيلم "همام في أمستردام" بأغنية "سلطان جمالك"، وهي التجربة التي فتحت باب التعاون مع شركة "صوت الدلتا" ومنتجها نصيف قزمان.
ميلاد المشروع وتأسيس الهوية
بالاستماع إلى ألبوم "خلينا نعيش" اليوم، لا يمكن تقييمه في حدود كونه مجرد ألبوم أول. بل نقطة إنطلاق لتأسيس هوية برؤية فنية واضحة، وكأن صناعه كانوا يعرفون بدقة ما يريدون الوصول إليه.
حتى قبل تعاقد حماقي رسميًا مع "صوت الدلتا"، كان قد سجل أغنية "بتبعد ليه" من كلماته وألحانه وتوزيع مدكور، كمحاولة للمشاركة في صناعة مشروعة دون انتظار فرص التعاون مع شعراء وملحنين محترفين.
في المقابل، تحرك طارق مدكور مستفيدًا من شبكة علاقاته الواسعة مع جيل المؤلفين والملحنين الشباب الذين ساهموا وقتها في تشكيل ملامح البوب المصري الجديد، فانضم أيمن بهجت قمر وعمرو مصطفى وأمير طعيمة ونادر نور وأحمد علي موسى وغيرهم إلى المشروع، ليصبح الألبوم أشبه بورشة عمل جماعية تصنع صوت المستقبل.
ولكن يبقى السؤال: لماذا نجح "خلينا نعيش"؟
ببساطة لأن حماقي لم يُقَدَّم باعتباره امتدادًا لأحد. كما أن الأغنيات اعتمدت على جمل لحنية قصيرة وسهلة الحفظ، مع حضور واضح للتوزيعات الغربية، دون التخلي عن الروح المصرية في الكتابة، كل ذلك برؤية فنية وإنتاجية للموزع الكبير طارق مدكور.
لهذا بدا الألبوم وكأنه يعبر عن جيل كامل أكثر من كونه يقدم مطربًا جديدًا فقط.
عشر أغنيات ترسم المستقبل
بدأ الألبوم بأغنية "آن الأوان" حيث قدم عمرو مصطفى واحدًا من أكثر ألحانه حيوية، لتتحول الأغنية إلى افتتاحية مثالية تعلن منذ اللحظة الأولى طبيعة المطرب الجديد، وظهرت لمسات طارق مدكور في صناعة "جروف" صاخب يحاكي بوب الألفية.
أما أغنية "بتضحك" التي صورها حماقي وعرف الناس شكله من خلالها فلها قصة مهمة حيث كان في الأصل توزيعًا موسيقيًا لأغنية "ياحبيبي لا" لعمرو دياب، ولكن الأخير رفض هذا الشكل، ولاقتناع طارق مدكور به صاغ بنفسه لحنًا مناسبًا ليغنيه حماقي، واستعان بأيمن بهجت قمر لكتابة الأغنية، والتي بدأت بسؤال استنكاري جذاب: " بتضحك؟! طيب اضحك".
في أغنية "ليه لأ" تظهر واحدة من المحاولات المبكرة لربط حماقي بفكرة تطوير موسيقى البوب، بينما قدمت أغنية "مقدرش أنساك" نموذجًا مختلفًا للأغنية الرومانسية الحالمة التي تستند إلى قالب اللاتين بوب بأصوات الجيتارات، لكن الملفت أن طارق مدكور استخدم فيها بوضوح نفس الإيقاع والأصوات التي قدمها مايكل جاكسون في أغنية Stranger in Moscow .
جاءت "يالي غايب" لتكشف عن موهبة أمير طعيمة في كتابة المشاعر القلقة بلغة بسيطة ومباشرة، توزيع رشيق من إيقاع المقسوم يحمل بصمات تركية بصولو البزق.
في حين قدم الملحن تامر علي عبر أغنية "أول ليلة" نموذجًا لبداية ناجحة لشراكة ستتطور لاحقًا إلى عشرات الأغنيات المهمة أبرزها "مابلاش".
وتبقى "أديني بدوب" واحدة من أكثر حكايات الألبوم إنسانية. أغنية من ألحان مصطفى قمر والذي منحها لحماقي في لفتة تحمل الكثير من الدعم بظهور اسمه كملحن على غلاف الألبوم، رغم كونها أغنية تقليدية من إيقاع المقسوم، لكنها مثلت قطعة مهمة تُكمل اللوحة.
في حين جاءت "إوعد قلبي" لتؤكد على هوية المشروع بتقديم توزيع مواكب للنيو بوب الواضح في أعمال فرق مثل "باك ستريت بويز" وقتها.
أما الأغنية الرئيسية "خلينا نعيش" من ألحان عمرو مصطفى وكلمات ربيع السيوفي، فقد ضمت معظم عناصر نجاح أغاني المرحلة، الجروف "المدكوري" الشهير، والإيقاعات اللاتينية ذات الجيتارات الواضحة، وكأنها محاكاة جديدة لأغنية "تملي معاك".
من "خلينا نعيش" إلى "سمعوني"
بعد أكثر من عشرين عامًا وعشرة ألبومات كاملة، يبدو من السهل اكتشاف الخيط الذي يربط بدايات محمد حماقي بحاضره، فالكثير من السمات التي صنعت استمراريته كانت موجودة بالفعل داخل ألبومه الأول. الإيمان بالعمل الجماعي، والانفتاح على التطور الموسيقي دون التفريط في البعد الجماهيري.
لهذا لا تبدو أهمية "خلينا نعيش" في كونه الألبوم الذي وضع القواعد الأساسية لمشروع فني كامل. مشروع بدأ داخل ستوديو صغير بحي "مدينة نصر"، لكنه نجح مع الوقت في أن يصنع واحدة من أكثر التجارب تأثيرًا في مشهد البوب العربي المعاصر.






