كان يومًا حارًا جدًا، أعتقد في صيف 1997، كنت أجلس في صالون بيت جدي، أحاول إقناعه بأنني أريد مشاهدة ديزني، بينما التلفزيون يعمل بصوت منخفض على شيء أبيض وأسود لا يبدو مخصصًا للأطفال. لم أكن أتابع الفيلم في البداية، إلى أن ظهرت هي، سعاد حسني.
جلست أراقبها وهي تضع شنبًا مستعارًا على وجهها وتذهب إلى موقع بترول في منتصف الصحراء لتثبت أنها قادرة على أداء أدوار للرجال فقط. قد تكون المرّة الأولى التي فكرت فيها بالتمييز الاجتماعي، والتي تعرفت فيها على الفيمينيست الأولى في حياتي.
تعود تلك الصورة من دون ترتيب واضح، كأنها لقطة لا تغادر ذاكرتي البصرية، لكنها مع الوقت لم تعد مرتبطة بالفيلم وحده. صار الوجه الذي يختبئ خلف الشارب جزءًا من طريقة فهمي لفكرة "الدور" نفسه، وكيف يمكن لجسد واحد أن يعبر حدودًا لم يكن مسموحًا له بها.
بعدها بحوالي عشرين عامًا، وأنا أمشي في شوارع الزمالك بالقاهرة، دخلت إلى محل أنتيكا. كان المكان مزدحمًا بصور معلقة من أفلام قديمة، وجوه مألوفة كأنها خرجت من زمن آخر. وقعت يدي على بوستر فيلم "خلي بالك من زوزو".
سألت صاحب المحل إن كان يحتفظ ببوستر أو أفيش "للرجال فقط". ابتسم وكأنه يحاول تذكر شيئًا بعيد، ثم قال: “وانت تعرفي الفيلم ده منين؟”. لم أجبه، تبسمت. كان السؤال نفسه يعيد ترتيب المسافة بيني وبين تلك اللحظة الأولى في بيت جدي، وكأن الزمن انطوى على نفسه للحظة قصيرة داخل ذلك المحل.
عدت إلى بيروت مع البوستر ومن يومها لا يفارق غرفة جلوسي، فهو واحد من أفلامي الموسيقية المفضلة خاصةً وأن الشاعر صلاح جاهين الذي كان بمثابة الأب الروحي لسعاد، هو الذي كتب أحداثه وصدر عام 1972، ليحكي قصة "زوزو" الطالبة والراقصة والمتمردة على الطبقات الاجتماعية.
البوستر مرسوم باليد من تصميم الفنان التشكيلي مراد الذي كان له دور كبير في تصاميم بوسترات فترة السبعينات.
تقف سعاد ببدلة رقص لونها أزرق داخل عالم من رموز الفيلم، تحتها اسمه بألوان قوس قزح كأنه كتب بهذه الطريقة ليكون جزءًا من الفوضى البصرية المجسدة باللون الأحمر. خلفها وجه حسين فهمي ينظر إلى البعيد، يحاول فهم كيف يمكن لهذه المرأة أن تقف في مركز الصورة بهذه الخفة وهذه الصلابة في الوقت نفسه.
أذكر أنني شاهدت هذا الفيلم لاحقًا خلال مراهقتي، لا أذكر تفاصيل اليوم ولا الطقس كالمرة الأولى، لكن "زوزو" أيضًا لم تمرّ كمجرد شخصية بفيلم بالنسبة لي. هذه المرة لم أكن طفلة تراقب مشهدًا عابرًا، لكن كنت أحاول أن أفهم، لماذا بقي هذا الوجه حاضرًا بهذا الشكل رغم كل الوقت الذي مر.
تابعت بعدها الكثير من أفلامها، وصارت واحدة من الممثلات المفضلات لدي، ليس في السينما المصرية فقط. ومع الوقت، صار حضورها يقيس عندي فكرة مختلفة عن التمثيل نفسه. كنت أفكر أحيانًا: هل يمكن لأنجلينا جولي، أو لميريل ستريب، أن تدخل إلى هذه المساحة بهذه الطريقة؟ كحياة تمشي داخل الدور من دون أن تفقد هشاشتها؟ لا أعرف.
لكن ما أعرفه أن ما كانت تفعله سعاد كان شيئًا لا يشبه القياس أصلًا. فعندما مثلت شخصية رسمها الروائي إحسان القدوس بهذا الشكل، بين ناهد ومرفت في “بئر الحرمان”، لم تعد المرأة خفيفة أو قريبة من اللعب، بل شخصية أكثر حدّة، تقف في مواجهة العالم من دون أن تخفّف حضورها، فهي سلسلة من أدوار طويلة تقمصت فيها شخصيتين، وكأنها تهرب من نفسها إلى مكان ثالث لا وجود له سوى برأسها.
لم يكن خبر رحيلها بالنسبة لي صادمًا بالمعنى المباشر، فقد كنت ما زلت في الحادية عشرة من عمري حينها، ولم تكن الصورة قد اكتملت لدي بعد. تابعت التعرف إليها عبر أفلامها القديمة والجديدة مثل "موعد على العشاء" من إخراج الاسم المفضل عندي محمد خان.
كانت حاضرة عندي رغم رحيلها خارج فكرة الزمن، لكن موتها بقي علامة على أن علاقتي بها توقفت عند سن صغيرة، قبل أن تتحول إلى شيء كنت أود لو أنه كبر معي أكثر، ورافقني في مراحل لاحقة من حياتي.
لكنني بكيت عليها كثيرًا لاحقًا بعد عشر سنوات من رحيلها عام 2011، كنت جالسة لساعات طويلة على ساوندكلاود، كان يومًا آخرًا من الصيف الحار، باغتني صوتها فجأة لكن ليس بأغانيها عن الرقص والربيع والفرح، كانت تلقي واحدة من أكثر قصائد صلاح جاهين جزنًا "وقف الشريط فى وضع ثابت…خللى المكانجى يرجع المشهد".
لم أكن أبكي على خبر موتها بقدر ما كنت أبكي على هذا التراكم المتأخر لكل ما مر بيننا: الصور التي عرفتها متأخرة، والأدوار التي كانت تتبدل أمامي كأنها لا تنتهي، وإحساسي بأنني وصلت إليها دائمًا بعد أن تحولت إلى ذاكرة. عندها فقط فهمت أن علاقتي بها لم تكن مرتبطة بسن أو زمن، كانت طريقة لأفهم فيها نسويتي علاقتي بالمجتمع كامرأة وشخص.
أكتب هذا النص وأنا في طريقي من بيروت إلى القاهرة، التي أحببتها بعيون سعاد. على الطريق، أستعيد وجوه النساء المصريات اللواتي عشن في ذاكرتي من خلالها، لكن سعاد تبقى هي المركز الذي تعود إليه كل هذه الصور في النهاية.
عندما أصل إلى القاهرة، سأذهب إلى الزمالك. لا أعرف إن كنت أبحث عن بوستر "للرجال فقط" للمرة العاشرة، أم عن تلك اللحظة الأولى التي جعلتني أراها أصلًا، وأبقيها في داخلي كل هذا الوقت من دون أن تغادر.






