قبل أيام قليلة من الذكرى التاسعة والأربعين لرحيله، عاد اسم عبدالحليم حافظ إلى الواجهة، لا عبر أغنية أو فيلم، بل من خلال تفاصيل إنسانية كشفتها أسرته، تعيد رسم ملامح أيامه الأخيرة بعيدًا عن صورته الأسطورية.
البداية كانت مع نشر ورقة بخط يده، احتفظ بها خلال سنوات مرضه، وظلت ترافقه في تنقلاته بين المستشفيات ورحلات العلاج.
الورقة، التي تضمنت آيات قرآنية وأدعية، لازمته خلال مرضه، فكان يضعها تحت وسادته أو يحتفظ بها في جيبه، في محاولة للتماسك أمام قسوة الرحلة.
وخلال الفترة الماضية، أبدى جمهور العندليب اهتمامًا متزايدًا بمقتنيات لم تُنشر من قبل، ما دفع الأسرة إلى إزاحة الستار عن بعض الوثائق التي لا تزال تحتفظ بها، في إشارة إلى أن إرثه لا يزال يحمل الكثير من الحكايات غير المروية.
وبالتوازي، عادت إلى الواجهة روايات الوداع الأخير، بعد أن بقيت لسنوات حبيسة الذاكرة. فقد استُعيد مشهد وصول جثمانه إلى القاهرة فجر 30 مارس 1977، قادمًا من لندن، حيث انتهت رحلة صراع طويلة مع المرض.
في صباح ذلك اليوم، توجه الموسيقار محمد عبدالوهاب إلى منزل العندليب في الزمالك، وطلب أن ينفرد بغرفته. خلف باب مغلق، أمضى ساعات في قراءة القرآن والبكاء، قبل أن يهمس بكلمات وداع لصديقه، في مشهد يكشف عمق العلاقة التي جمعتهما.
كانت علاقة بدأت بالدعم والاكتشاف، وتحوّلت إلى شراكة في عدد من أبرز أعماله، ما جعل لحظة الفقد شديدة القسوة إنسانيًا وفنيًا.
وجرت مراسم الدفن فجرًا في صمت، بعيدًا عن أعين الجماهير خشية التدافع، بحضور محدود من المقربين وكبار صناع الموسيقى، قبل أن تتحول الجنازة لاحقًا إلى واحدة من أكثر لحظات الوداع ازدحامًا في التاريخ الفني العربي.
تزامنًا مع هذه التطورات، أعلنت الأسرة إغلاق منزل العندليب مؤقتًا لأعمال الصيانة، مع إلغاء استقبال الجمهور هذا العام، والاكتفاء بزيارة المدفن صباح 30 مارس.
ورغم غياب الطقوس المعتادة، يبقى حضور عبدالحليم حافظ ثابتًا في الذاكرة، إذ تستمر أغنياته وأفلامه في العبور بين الأجيال، لتؤكد أن رحيله لم يكن نهاية الحكاية، بل بداية لأسطورة لم تنطفئ.






