بين شارات الدراما الرمضانية المصرية، يطل تتر مسلسل "رأس الأفعى" للموسيقار ياسر عبد الرحمن كجملة خارج النص. يفرض الكمان حضوره من اللحظة الأولى، بجملة تنبض بالشجن ممزوجة بشموخ يلامس الروح الوطنية التي يعكسها المسلسل. ثم يعلو صوت الكورال ليغني: "يامصر يا بلادي… يا ضامة نيل بوادي… والناس الطيبين".
جملة لحنية من مقام النهاوند، تنتقل في ختامها إلى مقام البياتي، ويأتي صوت الفنان علي الحجار معبرًا عن الصمود برخامة مميزة لأدائه.
في هذا التتر لا يقدم عبد الرحمن نفسه من جديد، بل يختبر إيمانه الدائم بأن اللحن قد يتوج بطلًا للدراما، حين يتحول الكمان من مجرد آلة إلى صوت يروي المشهد.
لم يكتب ياسر عبد الرحمن ألحانًا للكمان فقط، بل كتب به تاريخه. تمامًا كما كتب والده الأديب عبد الرحمن فهمي عشرات الأعمال الأدبية والمسلسلات أشهرها "السقوط في بئر سبع"، الذي شهد ميلاد إبنه كمؤلف للموسيقى التصويرية.
التمرد على سوق الكاسيت
بدأ ياسر عبد الرحمن رحلته الموسيقية من معهد الموسيقى العربية، حيث تخصص في آلة الكمان وتفوق فيها، فعُين معيدًا، ونال الماجستير، ثم الدكتوراه في التأليف الموسيقي من ألمانيا.
عرف طريقه إلى ستوديوهات الصوت عام 1988 عبر التعاون المبكر مع محمد فؤاد، حين لحن له أغنيات مثل "على عيني" و"حمد الله على السلامة" و"طبلي"، ثم استمر التعاون في أعمال بارزة بينهما مثل "عارف" و"يا ليل يا عين".
اقتحم سوق الكاسيت مع علي الحجار في ألبوم "تجيش نعيش"، وقدم حنان ماضي في ألبوم "عصفور في ليلة مطر"، قبل أن يبرز اسمه أكثر حين لحن ووزع أغنيات لعمرو دياب مثل "ورجعت من السفر" و"ما يتحكيش عليها".
لكن صناعة الأغنية لم تكن طريقه المُفضل، حيث رأى مجده الحقيقي في الموسيقى التصويرية، ففي عام 1989 نال جائزة مهرجان القاهرة السينمائي لأفضل موسيقى تصويرية عن فيلم "الإمبراطور" بطولة أحمد زكي.
جاءت الانطلاقة الحقيقية مع تترات الدراما التليفزيونية في مسلسل "الوسية" عام 1990 بصوت محمد الحلو، حيث فرض لونًا جديدًا في موسيقى التترات .. مقدمات مؤثرة بالكمان، وخطوط وتريات تحمل حسًا دراميًا صادمًا. هنا شكَّل ثنائية مع الشاعر الكبير سيد حجاب، لتتحول الكلمات إلى مرآة تعكس صوت الموسيقى في نقد اجتماعي لاذع: "مين اللي قال الدنيا دي وسية / فيها عبيد مناكيد وفيها السيد".
"المال والبنون" صناعة الأيقونة
الانفجار الموسيقي الأوسع جاء مع تترات "المال والبنون"، حين تحولت افتتاحية التتر بالكمان إلى جزء من الثقافة الشعبية، تتردد في البيوت ثم لاحقًا عبر رنات الهواتف المحمولة.
تبدأ الوتريات بنبض مصاحب للدفوف، إيقاع يخلق شعورًا بالترقب، قبل أن يندفع الكمان كشلال من الحزن. ومع كلمات سيد حجاب، وصوت علي الحجار تحول التتر إلى ملحمة درامية وليس مجرد مقدمة: "قالوا زمان دنيا دنية غرورة / وقلنا واللي تغره يختار مصيره"
في تتر النهاية استعان عبد الرحمن بحنان ماضي كصوت نسائي يشارك الحجار اللوحة الدرامية، وكانت شارة النهاية أكثر تفاؤلًا وأقل حدة عن سوداوية البداية، خاصة حين عدّل سيد حجاب كلماتها لتصبح: "بحلم وافتح عنيا على جنة للإنسانية / والناس سوا بيعيشوها بطيبة وبصفوا نية".
ثلاثية الفولكلور الصعيدي والأوركسترا
إذا كان "المال والبنون" رسخ صورة الكمان كصوت للشجن، فإن المرحلة التالية حملت مغامرة أجرأ، حيث التقط الفولكلور كمادة خام قابلة لإعادة الصياغة أوركستراليًا.
هنا بدأ ياسر عبد الرحمن ثلاثية المزج بين الفولكلور، الأوركسترا، والآلة الشعبية في تترات مثل "الضوء الشارد"، "الليل وآخره" و"خالتي صفية والدير".
في "الضوء الشارد" تُطل الربابة كآلة تراثية تعزف جملة بسيطة لكنها عميقة الأثر. يزخرفها المزمار، ويحتضنها الكمان داخل قالب أوركسترالي يسير على إيقاع المقسوم الصعيدي بدقة.
ربما سر تحول هذه المقطوعة إلى ما يشبه الفولكلور الشعبي يكمن في بساطتها، فهي تعتمد على تكرار للجملة الموسيقية على الإيقاع، مما جعلها قابلة للاستنساخ وإعادة التوظيف لاحقًا، كما فعل محمد محيي في أغنية "في الأول" ضمن ألبوم "صورة ودمعة" عام 2000.
نجح عبد الرحمن في فرض هذه المعادلة في "الضوء الشارد"، وأكدها في "الليل وآخره" ، ثم جاء في "خالتي صفية والدير" ليمنح التجربة حسًا دينيًا بمزج قرع أجراس الكنائس مع الكمان والناي.
عوالم مختلفة من مدحت صالح إلى تامر حسني
لم تتوقف تجربة عبد الرحمن عند حدود الدراما الصعيدية، بل أبحر في عوالم مختلفة، معبرًا عنها بصوت كمانه الذي صار آلة سردية تتداخل مع غناء المطربين. فعلها في تترات مسلسلات مثل "الأصدقاء" غناء الفنان القدير محمد قنديل، و"الحقيقة والسراب" بصوت مدحت صالح.
على سبيل المثال في تتر "حضرة المتهم أبي"، تعاون مع الشاعر أحمد فؤاد نجم، معتمدًا على مقدمات طويلة بالوتريات قبل أن يصدح مدحت صالح: "حقك على عيني / يا بني يا نور عيني"
أما في تتر "آدم"، الذي غناه تامر حسني، قدم عبد الرحمن ملحمة موسيقية تمزج بين الوتريات والقانون، قبل أن يعزف الكمان جملة غارقة في الشجن، تتخللها خطوط وتريات متصاعدة تليق بكلمات أحمد فؤاد نجم: "أنا ابن صابرة الصبارة / وجدي كان شيخ الحارة" أغنية تحمل روح الشارع المصري وشجنه، بينما تُبرز التوليفة قدرة عبد الرحمن على مزج الطابع الحضري بالأسلوب التقليدي دون أن تفقد بصمته الخاصة.
يُفسر ياسر عبد الرحمن هذا الشجن المُتلبس ألحانه بالأجواء التي يصنعها خلال التلحين، حيث يميل أحيانًا للعزلة في منزله بالساحل الشمالي كما قال في حوار إذاعي نادر له: "أشهر أعمالي لحنتها في قلب نوة الشتاء في الساحل الشمالي، بقالي سنين بروح الساحل في الشتاء اشتغل وطلعت هناك أشهر ألحاني زي تتر المرسى والبحار ".
الروح الشعبية في " ملوك الجدعنة"
حتى الموسيقى الشعبية صاغها ببصمته، ففي تتر "ملوك الجدعنة"، أعاد تقديم الروح الشعبية بحرفية عالية، مستعينًا بآلة الترومبيت لتعزف فواصل شرقية غارقة في الشجن، تقابلها فواصل بالأوكرديون الشرقي، مع خطوط وتريات امتدت وسط إيقاعات دفوف متقنة أضفت إحساسًا حيًا بالحارة المصرية.
رحلة طويلة في عالم الدراما والموسيقى، لم يكن ياسر عبد الرحمن خلالها مجرد مؤلف موسيقي أو ملحن، بل صانع عوالم صوتية كاملة!
ظلت موسيقاه حاضرة في وجدان الجمهور، وأصبح الكمان الحزين الذي ابتكر تقنية خاصة به في عزفه مفتاحًا سحريًا لأشهر تترات الدراما المصرية، وإرثًا حيًا في الذاكرة.






