عندما تصدر تووليت المشهد من عامين، لم تكن "حبيبي ليه" مجرد أغنية ناجحة، بل كانت إعلانًا صريحًا عن تحول يقوده هذا الشاب "المُقَنع" الخارج من السين المصري، واعتراف من أحد أبناء هذا الجيل بعودة صوت البوب التسعيناتي، ليخطاب جمهورًا جديدًا وُلد بعد انتهاء تلك الحقبة الماضية.
بدا المشهد أكبر من كونها نوستالجيا تدغدغ مشاعر الحنين ، بل إحياء واضح لمصطلح "الريترو".
ماذا تعني كلمة "ريترو"؟
"ريترو" هو مصطلح قادم من توصيف لاتيني هو Retrospectus أو "النظر إلى الماضي"، وطرحت النظريات الفنية هذا المصطلح ليتجاوز فكرة استنساخ الماضي، بل إعادة توظيف جماليات وأساليب زمن سابق، و تقديمها بروح معاصرة، وهذا ما فعلته أسماء هامة في السين ممن تركوا أيامهم في الهيب هوب خلفهم مثل: تووليت، ليجي سي، سانت ليفانت، ناصر، وغيرهم .
قدموا تراكات لا يمكن وصفها بمصطلح "نوستالجيا"، ولا هي محاولات لإحياء التراث حرفيًا، فالأمر هنا لا يتعلق بإعادة إنتاج التسعينات كما هي، بل بإعادة تخيلها داخل سياق جديد، يستخدم أدوات الحاضر.
ما نشهده اليوم هو مزيج واضح بين مدارس الهيب هوب في الإنتاج الموسيقي وجماليات البوب التسعيناتي، مزيج ينتج شكلًا موسيقيًا هجينًا، يبتعد عن صخب التراب بلغته الخشنة، ويقترب أكثر من البساطة والرومانسية التي ميزت أغاني التسعينات، كاشفة عن وجه عاطفي في ذائقة المراهقين، وملامسة أيضًا مزاج الأجيال الأكبر سنًا.
يتجلى هذا المزيج عبر ثلاث سمات رئيسية: الكلمات، الألحان، والتوزيع. على مستوى الكلمات، تميل هذه الأعمال إلى الرومانسية، بشكلها الدرامي (الفراق والألم) أو الخفيف (الغزل ولهفة البدايات)، مع اعتماد على مفردات تقليدية أقرب إلى لغة البوب، بعيدًا عن سردية الذات المتضخمة والصراعات التي تهيمن عادة على تراكات الراب والتراب.
كما هو الحال في نموذجين واضحين لتوليت، وهما "حبيبي ليه" والتي تتناول حالة الفراق بين حبيبين على إيقاع مقسوم هاديء، بينما ينتقل إلى بهجة بدايات الحب في أغنية "الحب جاني" وهي مقسوم سريع مع فوكال تسعيناتي، لتتجسد نظرية "الريترو ميوزيك" في كلمات الأغنيتين بنفس القالب الموسيقي.
خلطة التسعينات اللحنية
أما الألحان، فتستعيد بشكل واضح روح البوب الكلاسيكي، بجُمل لحنية بسيطة وسهلة التلقي، تركز على الأداء أكثر من الاستعراض الصوتي، وهو ما يعيد للأذهان طريقة بناء الأغنية في التسعينات.
لكن الملمح الأبرز لهذا الاتجاه يظهر في التوزيع الموسيقي، الذي يلعب الدور الأكبر في تشكيل حالة "الريترو"، حيث تعتمد العديد من هذه الأغاني على إيقاعات مقسوم إلكترونية قريبة من تلك التي رسخها جيل التسعينات، خاصة في تجارب حميد الشاعري، باستخدام أصوات الـ Synthesizer الكلاسيكية، وهارموني واضح، ودرامز إلكتروني يمنح الإيقاع طابعًا معاصرًا .
مظلة أكبر .. من المقسوم إلى التراث!
هل اكتفت هذه الجنرا الجديدة بمحاكاة مقسوم التسعينات فقط؟
بالطبع لا، حيث تتنوع التوزيعات داخل نفس الإطار، فهناك ما يميل إلى الروح الإلكترونية الخالصة، كما في عدد من أعمال تووليت وناصر وسانت ليفانت، حيث تتجلى بوضوح ملامح البوب التسعيناتي في أبسط صوره. يظهر ذلك بوضوح في أغنيات مثل : "خسارة فيك" لناصر وبشمهند، "حبيبي ده" لتووليت.
في المقابل، تظهر اتجاهات أخرى تمزج هذه الروح مع إيقاعات تراثية، كالنوبية، فتعتمد على الدفوف وتقترب من السلم الخماسي، مستحضرة أجواء تجارب مثل أحمد منيب ومحمد منير، كما فعل ليجي-سي في أغنية "لو ناسياني" التي حققت نجاحًا كبيرًا الصيف الماضي وبدت وكأنها استلهامًا لتجارب حميد الشاعري في إعادة صياغة أغاني أحمد منيب النوبية .
بنفس المنطق دخل تووليت هذه اللعبة، وأصدر أغنية "سنين"، والتي اعتمدت على إيقاعات الدفوف النوبية، مع أصوات مدمجة إلكترونية بالكيبورد، و مؤثرات صوتية تُظهر غنائه بصدى قادم من بعيد.
ذكرنا توليت في هذه الأغنية بأغنيات لمحمد منير مثل : "الكون كله بيدور" و "عصفور" و"هيه هيه" .
بدوي وشامي .. ماذا بعد؟!
لم يكن الإيقاع النوبي هو الملح التراثي الوحيد في محاولات جيل "زد" لصياغة هذه الجنرا، فظهرت إيضًا ملامح التراث البدوي بشكل أعاد معالجات التسعينات له، وهو ما فعله تووليت أيضًا في أغنية "قسم الشكاوي" التي قدمت نموذجًا لأغنية بدوية بمزيج بين روح إيقاع "المرزقاوي" الليبي، وملامح من الإيقاعات المغاربية، تجربة أعادت للذاكرة أغنية حميد الشاعري "كُنا في جرة" التي أصدرها منتصف تسعينات القرن الماضي.
على جانب آخر كان للتراث الشامي حضوره الواضح في أغنيات مثل "ولا مين" لـ ليجي سي وزياد ظاظا، حيث قدما أغنية راقصة مستوحاة من "الدبكة"، مع أصوات المزمار الإلكتروني بروحه الشامية، في خلطة فولكلورية تم توظيفها داخل قالب معاصر.
كما يبرز اتجاه آخر في نفس الجنرا يعتمد على توزيعات قريبة من "الفلامنكو" الاسباني كما فعل صُناع البوب التسعيناتي سابقًا، مثل أغنيات "باليني" لزياد ظاظا، "زاد الشوق" لناصر، و "نارين" و"ماتيجي أعدي عليكي" لتووليت.
كما ظهرت أيضًا نماذج لاستلهام واضح من موسيقى الــ "السنث بوب" الغربية في الثمانينات، عبر أغنيات مثل "على باب السيما" لناصر، و"معاكي" لسانت ليفانت، وهو ما يوسع من مظلة هذا الاتجاه ويمنحه مرونة وتنوعًا أكبر.
جنرا جديدة
كل هذه النماذج، على اختلافها، تشترك في نقطة جوهرية واحدة هي استدعاء روح زمن موسيقي سابق، دون الوقوع في فخ تقليده. وهنا تحديدًا يمكن فهم "الريترو ميوزيك" كاتجاه جديد، وليس مجرد موضة عابرة، فهو مشروع ناتج عن رغبة صُناعه في توسيع القاعدة الجماهيرية، والاقتناع أن "البوب" سيظل ملكًا متوجًا على عرش الأغنية العربية.






