للعام الثاني على التوالي، تستغل بيلبورد عربية الفرصة في شهر المرأة لتسليط الضوء على حضور النساء في المشهد الفني في العالم العربي والاحتفاء بهن. فبعد إطلاق النسخة الأولى في مارس 2025، نعود اليوم بقائمة أعلى 50 فنانة 2026، التي تضم بيانات المستخدمين عبر منصات الاستماع طوال عام كامل، وترتب الفنانات العربيات الأكثر استماعًا حول العالم.
جاءت العديد من المراتب والأسماء على القائمة متوقعةً، يسهل على الجمهور تتبعها على مدار العام عبر أصداء الهيتات المتتابعة، وكثافة الحضور الفني، ونشاط الحفلات الحية، وهو بحد ذاته إنجاز يحسب لصاحباته، عنوانه الاستمرارية. خير مثال على ذلك إليسا التي تشغل هذا العام المرتبة الثانية على القائمة، فرغم عدم إصدارها لأغاني منفردة أو ألبومات خلال العام المنصرم، لكنها كانت تنشط طوال العام دون استراحة، بالحفلات حول العالم، مدعومةً بأرشيف راسخ في ذاكرة الجمهور بقديمه وجديده، وقد رأينا العديد من أغانيها الأقدم نسبيًا تصعد على قائمة هوت 100 عبر الأسابيع المتتالية.
ينطبق الأمر ذاته على نانسي عجرم، التي حلت هذا العام في المركز الثالث، وقد رأيناها تعبر القارات لتؤدي أغانيها، من مهرجان موازين في المغرب، إلى مسرح الأولمبيا في باريس. ومن لقائها لأول مرة بجمهور ضخم في أندونيسيا ردد معها كلمات أغانيها رغم عدم معرفته باللغة، إلى إحيائها حفلات دافئة في شتاء مدينة العلا في السعودية. وبينما لا تغادر نانسي خشبة المسرح، نشعر أن جمهورها يخرج من حفلاتها في كل مرة وهو أكثر حماسةً لأغانيها من حين دخولها.
أما السيدة فيروز، فلم تغب إطلاقًا عن قوائم بيلبورد عربية منذ تأسيسها، ولا تغيب عن قوائم الاستماع لأي منصة، خاصةً الصباحية منها. مع ذلك، كانت متابعتنا للمرأة التي تربينا على صوتها، وقد ظهرت للعلن مرتين للمرة الأولى منذ سنوات طويلة في أشهر متقاربة بعد الوفاة المؤلمة لابنيها زياد الرحباني وهلي الرحباني، كفيلة بتأجيج مشاعر غامرة في قلوب الملايين من جمهورها حول العالم. وفاة زياد تحديدًا، دفعت بنا للعودة ونبش أرشيفهما المشترك، وإن كنا نحفظه غيبًا، ربما مدفوعين بالحنين، وربما فقط كرغبة منا في مشاركتها أحزانها.
نجمات أخريات أحدثن خرقًا في "السيستيم". تتسلل بيسان إسماعيل مثلًا بانسيابية وهدوء فتحتل المركز السادس متجاوزةً عشرات النجمات ممن سبقنها إلى الساحة الفنية. أغنية واحدة صيف العام الماضي كانت كفيلة بقلب الموازين للنجمة السورية الشابة، فنجاحات أغنيتها "خطية" وضعتها على خشبة المسرح للمرة الأولى، ومهدت الطريق لترشيحها الأول في جوي أواردز، في الفئة ذاتها إلى جانب أصالة وأنغام (اللتان تشغلان المركزين السابع والثامن على التوالي على القائمة).
وتسبقهن إليانا في المركز الخامس، التي مازالت تبني على نجاحاتها من عام 2024، وإن كانت قد أمضت عامها الماضي في الجولة العالمية إلى جانب فرقة كولدبلاي. فيما تتبعهن في المرتبة العاشرة الفنانة اللبنانية الشابة مهى فتوني، التي ترك نجاحها المدوي في العام 2023 على الساحة المصرية مع أغنية "الصبر جميل" تساؤلات واسعة حول قدرتها على تكرار الإنجاز، فسمعنا منها هذا العام "أول حب" و"مأساة" من بين أغانٍ أخرى نافست على القوائم طوال العام.
هيفاء وهبي كانت أيضًا ضمن المراتب العشرة الأولى، وقد حجزت المركز التاسع هذا العام. ألبوم "ميجا هيفا" المطول عن أي ألبوم بوب صادر في السنوات العشر الماضية، وقد وصل عدد أغانيه للـ 15 أغنية، جعل رنين صوتها المميز يتردد في الأذهان طوال أشهر، خاصة مع الهيت/ الترند "بدنا نروق". ورغم أن النجمة لم تغب إطلاقًا عن الساحة الغنائية، لكن تركيزها في السنوات الماضية على عالم التمثيل والدراما، جعل صدور ألبومها مؤخرًا يبدو كعودة أيقونية للـ "ديفا".
لكن، وقبل كل هذه الأسماء، تبقى "محبوبة" مصر والعالم العربي، التي تنفرد بصدارة الفنانات العربيات الأكثر استماعًا حول العالم للعام الثاني على التوالي، لغزًا محيرًا. فشيرين عبد الوهاب التي احتفظت بالمرتبة الأولى من جديد، كانت الوحيدة الغائبة كليًا عن الساحة الفنية طوال هذه المدة. ظهور نادر لشيرين في مهرجان موازين في يوليو 2025 بعد أشهر من الغياب، شكل عاصفة من الجدل عوض الاحتفاء، أتبعه صمت مطبق وانسحاب كامل للنجمة من المشهد.
شائعات كثيرة ومناوشات هنا وهنا أحاطت باسمها. أكد صناع الأغنية المصرية عملها على ألبوم وأغنيات جديدة، لكنهم أتبعوا تصريحاتهم بأخرى تقول أنها تأخذ فترة استراحة. قبل أن نتابع في الأسابيع الماضية أنباءً عن تدهور حالتها الصحية ثم تعافيها. كل هذا لم يمنع أن تبقى شيرين أكثر صوت يسمع كل أسبوع وطوال العام. أغانيها الأحدث مثل "بتمنى أنساك" تنفرد في صدارة قائمة أعلى 50 مصري منذ أسابيع، ولم تغب عن المراتب العشرة الأولى على هوت 100 طوال 37 أسبوعًا متتاليًا. أما أغاني أقدم مثل "ًصبري قليل" و"على بالي" فما زالت تسمع وكأنها صدرت البارحة.
بالتأمل في المراتب المختلفة لهذه القائمة السنوية، نجد أنها تنقل لنا أكثر بكثير من مجرد بيانات. تخبرنا قصص نساء يشبهننا، من بلداننا، يعلو صوتهن بحكايات وأغنيات مرتبط بها وتبقى معنا كلما بحثنا عن وسائل جديدة للتعبير. جميعهن وضعن الفن في المقام الأول، فكان لهن نصيبهن من التحديات، ومن الانتصارات في الوقت ذاته. والمؤكد أن كل مرتبة في هذه القائمة هي إنجاز، وانتصار كبير، لهن شخصيًا.. وللنساء عامةً.






