صعد اسم إنكونو، المعروف بلقب "Alien"، عبر الأعوام الماضية، ليصبح من أبرز الأسماء في مشهد الراب المغربي وأكثرها حضورًا على منصّات الاستماع، حيث استطاع أن يرسّخ موقعه من خلال إصدارات لافتة جمعت بين الطابع التجريبي والهوية المحلية للمشهد.
شكل ألبومه "عربي" عام 2021 محطة أساسية في مسيرته وأحدث نقلة في مشهد الهيب الهوب المغربي بشكل عام. لكن بعد هذا الصعود، دخل في فترة غياب عن الإصدار، ما فتح المجال أمام تساؤلات عديدة حول مصير مسيرته. ومع عودته الأخيرة، بدأت تتضح ملامح مرحلة جديدة عبر التمهيد لألبومه "سبليت"، الذي يُنظر إليه كامتداد لتجربته السابقة، لكنه يحمل في الوقت نفسه مؤشرات على تحوّل في أسلوب الأداء وطرق الكتابة والبناء الموسيقي.
البدايات مع A6 غانغ وبناء الهوية الفنية
تعرف الجمهور على انكونو عندما كان عضوًا في مجموعة A6 غانغ، و التي ساهمت في دفع عدد من الأصوات الجديدة داخل المشهد. لم تكن المجموعة تعمل بشكل تقليدي بقدر ما كانت شبكة تتيح الانتشار مع الحفاظ على استقلالية كل رابر، خاصة في أعوام 2016 و2017 عندما كان مشهد الهيب هوب في أوجه قبل مرحلة البومينغ عام 2018.
قدم إنكونو مع الفرقة إصدارات مثل "Alif6"، والتي تتقاطع فيها أصوات الشارع مع طموحات جيل يبحث عن مخرج من الواقع الصعب، وقد ظهر في الكليب عدد من الرابرز الذي كانوا يشقون طريقهم وقتها مثل إل غراندي طوطو، كما قام بإخراجها الرابر حليوة.
بالنسبة إلى إنكونو، شكّلت هذه المرحلة انتقالًا أكثر مما كانت تعريفًا نهائيًا له أو لمسيرته، ولكنها كانت حجر الأساس الذي وضع تجربته في مقدمة المشهد المغربي، بعد أن بدأ بإطلاق إصداراته المستقلة. وهذا ما تجلى بوضوح عندما أطلق تراك "إنكو" في 2018، والذي قدم فيها كلمات تعد من أكثر نصوصه كثافة من حيث الاعتراف والتفكيك الداخلي، حيث يفكك صورة الرابر نفسها عبر رفض النفاق والسخرية من خطاب النجاح السطحي.
"عربي": محطة مفصلية وإعادة تشكيل للصوت
مع إصدار ألبوم "عربي" عام 2021، دخلت مسيرة إنكونو مرحلة مفصلية، ليس فقط على المستوى الشخصي بل ضمن المشهد ككل. قدم الألبوم مجموعة أغاني جاءت وكأنها عصارة مجهود المشهد بعد سنوات الصعود، مؤكّدًا قدرة الراب المغربي على حمل مشروع يقوم على المزاج والاستمرارية بدل الشهرة السريعة.
حمل الألبوم تجديدًا في إصدارات مثل "حالي يا حالي"، التي جمعت بين تأثيرات البوب والأفروبيتس، مع الحفاظ على روح التراب التي سيطرت على الألبوم. كما تضمّن الألبوم تعاونات مثل "مجواني" مع أسماء، والتي كشفت عن صوت إنكونو الغنائي المليء بعرب تقترب من أسلوب الراي بحزنه وقدرته على نقل المشاعر مع طبقة أوتوتيون خفيفة.
إضافةً إلى ذلك، ظهر تجريبه في موجة التراي مع تراك "مورال" من إنتاج نوفو الذي افتتحها بسامبل من مقطع من "هذا اليوم سعيد مبارك" لـ شاب خالد، مع الحفاظ على جملها اللحنية طوال التراك، وقام بالميكسنغ دراغانوف ليعطي كل صوت حقه. غمر نوفو صوت إنكونو بالأوتوتيون، لتتماهى البحة الحزينة مع الثيمة الميلانكوليا للأغنية. وكان هذا الإصدار واحد من أهم إصدارات الجنرا التي كان في أوج صعودها ذاك العام.
عودة مشحونة بالرمزية والتحوّل الفني
تفرّغ لاحقًا للإصدارات المنفردة، مع انخفاض في وتيرة النشر إلى إصدارين بالسنة وآخرها كان "souvenirs" عام 2023، قبل أن يدخل في توقف كامل عن الإصدارات دام عامين. فجأة، وبعد هذا الغياب، عاد إنكونو بتلميح بصري على صفحته تضمن رمز "سكرابا خضراء" المرتبط بالقدرة على التكيّف، ما أثار موجة من التكهنات حول طبيعة عودته.
ظهر الرمز نفسه لاحقًا في افتتاحية كليب "جنكيداما"، الذي يبدأ بعبارة شعرية: "أن قلبه أثقل من سيزيف"، في مدخل رمزي يعكس ثقل التجربة خلال فترة الغياب، ومن خلال هذا الإصدار يعلن عن ألبومه الجديد "سبليت"، الذي يقوم على فكرة تعدد الهويات داخل العمل الواحد.
جاءت بارات الأغنية بنبرة مباشرة وصريحة، عكس فيها إنكونو مواجهة طويلة مع ضغوط ومحاولات عرقلة، مع تأكيد على الاستقلالية ورفض الانكسار. يظهر في الكليب داخل فضاء أقرب إلى مواجهة فردية، وكأنه في حلبة مغلقة يوجّه فيها خطابه مباشرة نحو الكاميرا.
في ثاني إصدارات الألبوم، جاءت أغنية "وردة" بالتعاون مع منال، وهي واحدة من أبرز الأسماء في المشهد وأكثرها حضورًا. ليكون هذا التعاون خطوة ذكية تعيد إنكونو إلى قلب الساحة، وقد مزجت بين نبرة الراب مع أداء غنائي واضح. يبرز في العمل توازن بين صوتين مختلفين في الأسلوب، لكنهما يلتقيان داخل جو عام يعتمد على الإحساس أكثر من السرد المباشر، ما يمنح الأغنية طابعًا عاطفيًا متماسكًا وهادئًا في بنيته.
في النهاية، يبدو مسار إنكونو قائمًا على تحوّل مستمر لا يكتفي بتثبيت هوية واحدة، لكنه يعيد إنتاجها عبر كل مرحلة جديدة. من التجربة الجماعية إلى مشروعه الفردي، ومن الحضور الكثيف إلى الغياب ثم العودة، تتشكّل مسيرته كخريطة مفتوحة على التبدّل والتجريب، حيث يصبح كل إصدار امتدادًا لما قبله.
هذا ومن المرتقب أن يعتلي إنكونو خشبة ملعب محمد الخامس يوم الخميس المقبل، حاملاً معه ألبومه "سبليت" في عرض سيقدم فيه الأغاني بطريقة حيّة، ويضع ملامح مرحلته الجديدة أمام الجمهور بشكل مباشر.






