هناك أسماء، يكفي أن تُذكر حتى تعيدنا مباشرةً إلى زمن ماضي. ليس فقط إلى أغنيات قديمة، بل إلى شكل حياة كامل: السيارات المليئة بأشرطة الكاسيت، حفلات الأعراس في التسعينات، البدايات الأولى للفضائيات العربية والنغمات اللبنانية التي كانت تنتزع مكانة خاصة في البوب العربي. وباسكال مشعلاني، بلا شك، واحدة من أبرز هذه الأسماء.
مجرد ذكر اسمها، يعيد كثيرين منا فورًا إلى التسعينات وبداية الألفينات، فهي كانت واحدة من أبرز الأصوات النسائية التي رافقت تلك المرحلة. لكن المفارقة هنا أن باسكال مشعلاني ليست غائبة فعليًا، فهي لاتزال تملك الشغف والإصرار على مواصلة رحلتها الفنية. ورغم ذلك فإن سؤالنا المعتاد "وين راحوا؟" يبدو مناسبًا لها كظاهرة فنية.
حتى اليوم لاتزال باسكال مشعلاني، التي بدأت مسيرتها رسميًا عام 1991 مع ألبوم "سهر سهر"، تواصل العطاء، تُصدر على فترات متباعدة أغاني منفردة، بعد أن كانت قد أصدرت 15 ألبومًا، آخرها "حبي مش حكي" سنة 2017. لتحافظ على حضورها في المشهد الموسيقي بعد مرور أكثر من 35 عامًا. ولكنها فعليًا لا تحظى بالتقدير الإعلامي الذي يليق بمسيرتها الحافة، لتكون أكثر فنانة آندر-ريتد بين بنات جيلها.
البدايات: على خطى صباح
منذ بدايتها، اقتحمت باسكال المشهد الموسيقي من الباب الكبير، حيث انطلقت مع الشاعر عبد الرحمن الأبنودي الذي ترك بصمات لا تمحى مع عبد الحليم حافظ، والملحن جمال سلامة، الذي رافقه بتعاوناته مع صباح؛ ليصدر ألبوم "سهر سهر" بتوقيع الثنائي.
هذا التفصيل ليس عابرًا في مسيرتها. لأن التعاون المبكر مع الأبنودي وجمال سلامة منحها، منذ البداية، مدخلًا واسعًا إلى السوق العربية، وخصوصًا المصرية، في وقت كان العبور إلى هذا السوق يحتاج فعلًا إلى أسماء كبيرة تمنح الفنان شرعية الانتشار. وكأنها، بشكل ما، جاءت كامتداد لبناني جديد لذلك الخط الذي جمع سابقًا صباح بالأغنية المصرية.
لكن ما يلفت أكثر، أن باسكال لم تبقَ أسيرة هذه البداية. فخلال سنوات قليلة فقط، بدأت تتحرك بسرعة داخل السوق الموسيقي العربي، متنقلة بين الألوان واللهجات والتوزيعات المختلفة، ومتعاونة مع أبرز صناع الأغنية في تلك المرحلة مثل صلاح الشرنوبي وطارق عاكف وسمير صفير وعماد شمس الدين وحميد الشاعري وجان ماري رياشي ومروان خوري. واللافت أنها لم تتحرك داخل هذه المساحات كفنانة تجرب فقط، بل كفنانة تعرف كيف تجد مكانها داخل كل لون تقريبًا وتترك فيه بصمة. غنت أغاني طربية وأغاني على إيقاع المقسوم المصري كامتداد للأغنية الشبابية في الثمانينيات، وتألقت بتقديم أغاني من التراث اللبناني، بأغاني الهوارة والدلعونة والمواويل، وبكوفرات أحيت بها أغاني قديمة، لعل أبرزها "شب حليوة أفندي". وجربت الإيقاعات البدوية، وغنت بلهجات خليجية ومغاربية، وكانت "دندي" لحظة إبداعية خاصة في مسيرتها. وفي كل هذه التجارب المتنوعة، لم تبدُ باسكال دخيلة على أي منها.
ربما هذا ما يجعل تلخيص تجربة باسكال مشعلاني أصعب من غيرها. لأنها لا تختصر نفسها بمرحلة واحدة أو بنمط واحد. بصماتها موزعة على مساحات كثيرة، وأحيانًا متباعدة، لدرجة أن العودة إلى أرشيفها اليوم تبدو أقرب إلى عملية إعادة اكتشاف منها إلى مجرد حنين عابر. لكن الأهم في تجربة باسكال، لم يكن فقط تنوعها، بل الطريقة التي كانت تؤدي بها الأغاني.
عفوية باسكال وواقعيتها: السهل الممتنع
باسكال مشعلاني ليست من المطربات اللواتي اعتمدن يومًا على الاستعراض الصوتي أو القوة التقليدية في الأداء. لم تتعمد الإبهار ولم تحاول أن تغني بالطبقات التي تُستخدم لإبراز المهارات. على العكس، بدا صوتها دائمًا بسيطًا وقريبًا وعفويًا، وكأن ما تقدمه سهل جدًا. لكن هذه البساطة نفسها كانت جزءًا من قوتها.
فهي تنتمي إلى ذلك النوع النادر من المؤدين الذين يقدمون الأداء الصعب بطريقة تبدو سهلة بالكامل. فأسلوبها يمكن وصفع بالسهل الممتنع؛ بالمعنى الحقيقي للكلمة. فهي لا تدفع المستمع للتوقف عند المجهود الذي تبذله، بل تجعله يعيش الحالة نفسها من دون أن ينتبه أصلًا إلى التعقيد الموجود داخل الأداء. والأهم أنها لم تكن مؤدية مونوتونية. حيث كانت تعرف دائمًا كيف تغيّر الإحساس داخل الأغنية نفسها، كيف تختار جملة معينة لتبرزها مع تحول مفاجئ بأسلوب الأداء، لتمنح لحظة شعورية صغيرة وزنها الكامل، من دون مبالغة أو استعراض.
وربما لهذا السبب بالتحديد، بقيت كثير من أغانيها عالقة في الذاكرة بطريقة هادئة وغريبة. فهناك أغنيات لباسكال لا تبدو، للوهلة الأولى استثنائية، إذا ما قيست بالمعايير التقليدية، لكن بمجرد العودة إليها بعد سنوات، يكتشف المستمع أنه متعلق بها أكثر بكثير مما كان يظن. فمعظم أغانيها مرت بنعومة كبيرة، من دون ضجيج نقدي أو إعلامي، لكنها بقيت في الذاكرة لأنها كانت صادقة ومقنعة إنسانيًا.
مبدأ باسكال مشعلاني: التموضع الصحيح والإحساس
ربما كانت أكبر نقطة قوة عند باسكال مشعلاني أنها لم تكن تغني المشاعر بوصفها أفكارًا مجردة، بل بوصفها حالات تُعاش كل تفاصيلها النفسية، وبأنها كانت قادرة دائمًا على أن تجعل المستمع يشعر أنها تؤدي شخصية داخل قصة حقيقية وواقعية فعلًا، وليست مجرد صوت يؤدي كلمات مكتوبة.
وهذا ما يظهر بوضوح خاص في بعض أغانيها العاطفية، مثل "مش وقت اللي بدك" من ألبوم "قلبك قاسي" الصادر عام 1996. فهذه الأغنية تتحدث، بشكل غير مباشر، عن علاقة غير متوازنة: رجل يعود إلى امرأة يعرف أنها تحبه كلما فشلت علاقاته الأخرى أو انهارت مغامرة عاطفية جديدة. وهي ديناميكية تشبه ما يسميه علم النفس العاطفي أحيانًا بـ emotional rebound loop، أو "العلاقة الاحتياطية" التي يبقى فيها أحد الطرفين ملاذًا ثابتًا يعود إليه الآخر بعد كل خيبة.
لكن قوة الأغنية لا تأتي من تقديم هذه الفكرة بوعي تحليلي أو من موقع يشرح العلاقة ببرود نفسي، بل من العكس تمامًا: من كون باسكال مشعلاني تغنيها من الداخل، من موقع الفتاة التي تعيش هذا النوع من العلاقات، لكنها لا ترى نفسها محطة مؤقتة، أو "استبنة" (بالمصطلح الشعبي الدارج)، بل هي الاستثناء الحقيقي وسط كل هذا العبور.
وهنا تحديدًا تظهر واحدة من أهم ميزاتها كمؤدية. هي لا تغني الحالة كفكرة، بل تعيشها بالكامل. تبدو مدركة، في مكان ما، أن هناك خللًا في العلاقة، لكنها لا تزال متمسكة بفكرة أن ما بينهما حب حقيقي يمكنه النجاة في النهاية. لذلك تحمل الأغنية، بهدوء شديد، كل الآثار النفسية لهذا النوع من العلاقات: التعلق، الانتظار، تبرير الغياب، والتمسك بالأمل رغم التكرار المستمر للخذلان، رغم الاندفاع الظاهري، في سياق أقرب للمكاشفة.
والأهم أن باسكال لا تؤدي ذلك من موقع القوة أو السخرية أو حتى الضحية الكاملة. لا يوجد استعراض درامي زائد، ولا محاولة لفرض عظمة اللحظة على المستمع. حتى لحظات الدلع والترغيب داخل الأداء تأتي بانسيابية طبيعية جدًا، كأنها جزء عضوي من الشخصية نفسها، لا حركة محسوبة لإبهار المستمع.
وهذا الأسلوب هو ما يميز باسكال ويجعل أغانيها تعيش في مكان هادئ من الذاكرة، يبدو أجمل عندما نوقظه، لأن ما يميزها حقًا أنها لم تكن تسعى إلى تحويل الأغنية إلى خطاب كبير أو اجترار المشاعر واستنفاذها، بل في جعلها تبدو حقيقية ومُعاشة بالكامل.
نور الشمس: اللحظات الأكثر دفئًا
بلغت باسكال مشعلاني ذروة نجوميتها الجماهيرية مع ألبومي "خيالة" (1999) و"نور الشمس" (2000)، وهي المرحلة التي بدت فيها وكأنها وصلت إلى التوازن الكامل ما بين أغاني البوب وأسلوبها الخاص بالأداء الذي يميزها. ومع نهاية التسعينات، أصبحت اختياراتها الغنائية أكثر شعرية ورومانسية، لكن من دون أن تفقد واقعيتها أو قدرتها على جعل الأغنية تبدو معاشة بالكامل، لا مجرد كلمات جميلة أو صور عاطفية معلقة في الفراغ.
في تلك المرحلة تحديدًا، أصبحت باسكال أكثر قدرة على التقاط "اللحظة" داخل الأغنية؛ تلك اللحظة الصغيرة التي تغيّر فيها أسلوب الأداء فجأة، أو تخفف الإيقاع العاطفي ثم تعيده، لتترك أثرًا طويلًا عند المستمع. وهي ميزة ظهرت بوضوح في أغنيات مثل "خيالة" و"دق دق"، لكنها بلغت ذروة خاصة في "نشفتلي دمي"، التي يمكن اعتبارها أفضل أغنية قُدمت باللهجة اللبنانية على إيقاع المقسوم المصري بأسلوب حميد الشاعري.
هناك، لا تعتمد الأغنية فقط على خفتها أو إيقاعها السريع، بل على الطريقة التي تعرف بها باسكال كيف تتحرك داخل اللحن، متنقلة بين الدلع، العتب، والانفعال الخفيف، من دون أن تفقد عفويتها أو تقع في الأداء المسرحي الزائد. حتى الجمل التي تبدو بسيطة جدًا، كانت تعرف كيف تمنحها شخصية خاصة تجعلها تلتصق بالذاكرة بسهولة.
أما في أغنيتها الأكثر دفئًا "نور الشمس"، فتظهر واحدة من أهم ميزاتها كمؤدية بشكل أوضح. فالأغنية قائمة على حركة لحنية مرهقة، مليئة بالصعود والنزول السريع، مع انتقالات تحتاج إلى تحكم كبير بالنَفَس والإحساس، لكنها تؤديها بخفة تجعل المستمع يشعر أن كل شيء طبيعي وسلس. وهذا بالضبط ما ميز كثيرًا من أعمالها: الأداء الذي يخفي صعوبته بدل أن يستعرضها.
وخلال تلك المرحلة، كانت باسكال قد أصبحت فعلًا واحدة من نجمات الصف الأول في البوب العربي، لكنها بقيت دائمًا، بشكل غريب، الأندر ريتد بينهن؛ فهي فنانة تملك أرشيفًا ضخمًا وتجربة شديدة التنوع، من دون أن تحظى بالسردية الإعلامية نفسها التي أحاطت بأسماء أخرى من جيلها.
ربما لأن باسكال لم تكن يومًا حدثًا صاخبًا. ولم تعتمد على صناعة الضجة حول حياتها الشخصية، ولا على إعادة اختراع نفسها بشكل درامي كل عدة سنوات، ولا حتى على خلق شخصية إعلامية مستفزة أو مثيرة للجدل. كانت، ببساطة، تركز على الغناء نفسه.
باسكال لم تتغير
فمع تغير شكل السوق الموسيقي، وصعود عصر السوشال ميديا والترندات السريعة، أصبحت النجومية تحتاج إلى حضور يومي وضجيج مستمر، أكثر من حاجتها إلى أرشيف طويل أو خبرة حقيقية. وهنا تحديدًا، بدت باسكال وكأنها تنتمي إلى زمن آخر: زمن الفنانة التي تترك الأغنية تقوم بالمهمة بدلًا من الضجيج المحيط بها.
ومع ذلك، لم تختفِ. استمرت بإصدار الألبومات حتى عام 2017، في وقت كانت فيه معظم نجمات جيلها قد تخلين تقريبًا عن فكرة الألبوم الكامل. وبعدها واصلت طرح الأغاني المنفردة، من دون أن تبدو فاقدة للشغف أو متصالحة مع فكرة الاعتزال غير المعلن التي يعيشها كثير من فناني التسعينات اليوم.
حتى حضورها على تيك توك يبدو امتدادًا طبيعيًا لها، لا محاولة متأخرة للحاق بالعصر. تظهر وهي تغني ببساطة، سواء لأغانيها أو لأغانٍ طربية قديمة، وتبدو مقنعة تمامًا، كصوت لا يزال يحتفظ بقدرته على الإقناع بعد كل هذه السنوات.
وربما هنا تحديدًا تكمن القيمة الحقيقية لتجربة باسكال مشعلاني، فهي ليست الفنانة التي صنعت أكبر ضجة، ولا صاحبة اللحظة التاريخية الواحدة التي تختصر كل شيء، لكنها من الفنانات القلائل اللواتي عبرن كل هذه الأزمنة تقريبًا من دون أن يفقدن أنفسهن. فهي النجمة التي بدأت مع الأبنودي وجمال سلامة، وعاشت زمن الكاسيت والفضائيات، ثم دخلت عصر الفيديو كليب، وبعده عصر اليوتيوب والتيك توك، ولا تزال حتى اليوم تغني وكأنها لم تفقد علاقتها الطبيعية بالموسيقى.
وربما لهذا كله، تبدو باسكال مشعلاني واحدة من أكثر نجمات البوب العربي ظلمًا من ناحية التقدير النقدي والإعلامي.نجمة بكل المقاييس فعلًا، لكن لا يُسلط عليها الضوء بالقدر الكافي، ولا تنال التقدير الذي تستحقه.






